عادة في أوقات الحرب تتجه أنظار الشعوب إلى قيادة الدولة بحثًا عن الطمأنينة والوضوح، فالقائد في مثل هذه الظروف لا يؤدي دورًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب، بل يتحول إلى رمز للاستقرار ومصدر للثقة في قدرة الدولة على إدارة الأزمة.
وفي إيران، حيث يتداخل الدين بالسياسة بشكل عميق، يكتسب حضور المرشد الأعلى أهمية مضاعفة باعتباره ليس فقط قائدًا سياسيًا، بل مرجعًا دينيًا ورمزًا لاستمرار النظام الثوري، وبالتالي يصبح ظهوره مسألة تتجاوز البروتوكول السياسي لتتحول إلى فعل رمزي يبعث رسائل طمأنة وثبات إلى الداخل والخارج.
وفي أثناء فترات الحروب والأزمات الكبرى، يكتسب الإيمان بفكرة غيبة الإمام المهدي لدى كثير من الإيرانيين بُعدًا نفسيًا ومعنويًا خاصًا، إذ تتحول عقيدة “الانتظار” إلى مصدر للصبر والتحمل في مواجهة الظروف الصعبة، فالإيمان بوجود الإمام الغائب الذي سيظهر في نهاية المطاف ليحقق العدالة الإلهية ويُنهي الظلم، يمنح شريحة واسعة من المجتمع شعورًا بأن الأزمات مهما اشتدت فهي مؤقتة.
المشهد السياسي بعد اغتيال خامنئي وتولي مجتبى
أحدث اغتيال آية الله علي خامنئي صدمة كبيرة داخل إيران وخارجها، نظرًا للمكانة التي كان يحتلها في النظام السياسي الإيراني طوال عقود، فقد كان يُنظر إليه بوصفه الضامن لاستمرارية النظام والحارس الأول لمبادئ الثورة الإسلامية، ومع انتشار خبر مقتله، سادت حالة من الارتباك والترقب السياسي داخل المؤسسات السياسية والدينية والعسكرية، بينما تسارعت التكهنات بشأن آلية انتقال السلطة في منصب يُعد الأعلى في هرم الحكم، وعلى الرغم من وجود العديد من الأسماء التي تصلُح لهذا المنصب من وجهة نظر المحللين السياسيين والشعب الإيراني نفسه، إلا إن الإعلان السريع عن تولي مجتبى خامنئي هذا المنصب أثار جدلًا واسعًا، وقد اعتبر بعض المراقبين أن هذا الانتقال يعكس ميلًا نحو توريث غير معلن داخل النظام، رغم أن البنية الدستورية للجمهورية الإسلامية لا تنص رسميًا على انتقال السلطة الوراثي، ومع ذلك، رأى أنصار النظام أن مجتبى يمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفات الحساسة، بالإضافة إلى علاقته الوطيدة بالحرس الثوري، بالتالي فإن وجوده في موقع القيادة يمثل امتدادًا لنهج والده السياسي والديني.
مع تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، توقع كثير من الإيرانيين أن يظهر سريعًا ليؤكد استمرارية الحكم ويطمئن الداخل والخارج بشأن استقرار الدولة، إلا أنه لم يمض وقت طويل حتى بدأ الغموض يحيط بالمشهد السياسي الإيراني، خصوصًا بعد اختفائه من الظهور الإعلامي وعدم إلقائه خطابات علنية أو المشاركة في مناسبات رسمية، إذن فالمجتمع الذي اعتاد على ظهور المرشد في مناسبات دينية وسياسية متعددة وجد نفسه أمام قيادة غير مرئية تقريبًا، فقط يُقرأ بيانه عبر الشاشات أو يأتي مكتوبًا ويتم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمر غير مألوف في السياق السياسي الإيراني، هذا الغياب فتح باب التكهنات وسمح بانتشار الشائعات، بدءًا من الحديث عن خلافات داخل مراكز السلطة، وصولًا إلى التكهن بمقتل المرشد الجديد أو إصابته إصابة بالغة تمنعه من الظهور، وقد زاد هذا الغموض من حدة النقاشات في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح غياب القائد الجديد موضوعًا يوميًا للجدل والتحليل السياسي.
كما ساهمت المواقع الإخبارية، خاصة تلك الصفحات التي تُدار من قِبل الجانب الأمريكي والإسرائيلي، في تضخيم هذه التكهنات، وقد زاد هذا الغموض من حدة النقاشات في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح غياب القائد الجديد موضوعًا يوميًا للجدل والتحليل السياسي.
فكرة الغيبة ودورها في تعزيز الصمود الاجتماعي وقت الحرب
في أوقات الحرب، يبحث المجتمع عن مصادر للثبات المعنوي والطمأنينة، وهنا تبرز فكرة غيبة الإمام المهدي باعتبارها عنصرًا مهمًا في تشكيل الوعي الجمعي الإيراني، فالإيمان بأن الإمام الغائب يراقب أحوال الأمة ويعود في لحظة تاريخية حاسمة يمنح كثيرًا من الإيرانيين شعورًا بأن المعاناة الحالية ليست نهاية المطاف، بل مرحلة ضمن مسار إلهي أكبر، لذلك غالبًا ما تتردد في الخطاب الشعبي والديني عبارات تربط بين الشدائد الكبرى وبين اقتراب زمن الظهور، وهو ما يعزز قدرة المجتمع على تحمّل الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب.
كما تؤثر هذه العقيدة في تشكيل حالة من الصبر والصمود داخل المجتمع الإيراني، إذ تُقدم فكرة الغيبة في الخطب الدينية والرسائل الإعلامية باعتبارها اختبارًا للإيمان والثبات، وهو ما دفع كثيرين إلى تفسير الحرب باعتبارها جزءًا من سلسلة الابتلاءات التي سبقت ظهور العدل الإلهي عبر التاريخ، وبهذا المعنى، تتحول المعاناة إلى عنصر تعبوي يعزز التضامن الاجتماعي، ويُسهم في خلق شعور بأن الصمود في مواجهة العدوان الخارجي ليس فقط واجبًا وطنيًا، بل أيضًا مسؤولية دينية مرتبطة بالانتظار الإيماني.
في المقابل، قد تُثير فكرة الغيبة تساؤلات لدى بعض أفراد المجتمع في ظل الأزمات الكبرى، خاصة مع تصاعد الخسائر والخوف من المستقبل، يظهر أحيانًا نقاش داخلي حول معنى الانتظار وحدوده، وحول دور القيادة الدينية والسياسية في إدارة المرحلة بدلًا من الاكتفاء بالانتظار الروحي، ومع ذلك، فإن هذه التساؤلات غالبًا ما تبقى ضمن إطار النقاش الفكري والديني، ولا تؤدي بالضرورة إلى تراجع الإيمان بالعقيدة المهدوية، بل قد تدفع إلى إعادة تفسيرها بصورة أكثر ارتباطًا بالواقع السياسي والاجتماعي.
أي إن الإيمان بغيبة الإمام المهدي يمثل بالنسبة لكثير من الإيرانيين مصدرًا للأمل والصبر في مواجهة التحديات، ففكرة “الانتظار” لا تعني السكون أو السلبية كما في الفهم الديني الشائع، بل ترتبط غالبًا بالدعوة إلى الإصلاح والتمسك بالقيم الأخلاقية حتى يحين وقت الظهور، ومن هنا أصبحت هذه العقيدة عنصرًا معنويًا يعزز الشعور بالانتماء الديني والهوية المشتركة داخل المجتمع الإيراني.
ردود فعل الشعب الإيراني على عدم ظهور المرشد
من خلال متابعة نقاشات وتعليقات الإيرانيين على منصات التواصل الإجتماعي، خاصة منصة إكس، وتليجرام (القناة الخاصة بجمهور ومتابعي وكالة أنباء فارس للتفاعل وإبداء الآراء)، اتضح أن هذه التطورات انعكست على الشعب الإيراني بطرق متعددة، إذ تراوحت ردود الأفعال بين القلق والترقب والتشكيك، فبعض الإيرانيين عبّروا عن مخاوفهم من أن يؤدي الغموض المحيط بالقيادة الجديدة إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي خاصة بعد الإشاعات التي انتشرت عن مقتل المرشد أو إصابته بشكل كبير يمنع ظهوره، في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط الدولية والحرب التي تواجهها البلاد.
في المقابل، رأى آخرون أن غياب المرشد الجديد عن الظهور الإعلامي قد يكون جزءًا من استراتيجية أمنية أو سياسية تهدف إلى تثبيت أركان الحكم بعيدًا عن الضغوط الإعلامية المباشرة، وأحد التفسيرات الأكثر تداولًا داخل إيران ارتبط بطبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد على الاستهداف الدقيق للقيادات السياسية والعسكرية، وفي مثل هذه الظروف، يصبح إبعاد القيادة العليا عن الظهور العلني إجراءً طبيعيًا يهدف إلى تقليل المخاطر الأمنية، خاصة مع تطور تقنيات الرصد والاستخبارات.
ويرى كثير من أفراد الشعب الإيراني أن القيادة في طهران تعلم جيدًا أن استهداف رأس النظام يمكن أن يخلق حالة ارتباك داخلي أو يفتح الباب أمام سيناريوهات غير متوقعة، ولذلك فضلت إدارة الحرب من خلف مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية بدل تحويل القيادة نفسها إلى هدف مباشر، بينما عبر أنصار النظام عن ثقتهم في استمرار مؤسسات الدولة وقدرتها على تجاوز المرحلة حتى لو يتم اختيار مرشد من الأساس، ومع ذلك، فإن قطاعًا من المجتمع الإيراني لم يُخفِ شكوكه تجاه فكرة انتقال السلطة داخل عائلة واحدة، معتبرًا أن ذلك قد يمثل تحولًا في طبيعة النظام السياسي، ويثير تساؤلات حول مستقبل المؤسسات التي يفترض بها أن تشرف على عملية اختيار القيادة العليا.
ولقد جاءت بعض التعليقات أيضا على غرار أن النظام الإيراني يدرك أن الظهور العلني للقائد في زمن الحرب ليس مجرد مسألة إعلامية، بل هو حدث سياسي بحد ذاته، ولهذا قد يتم تأجيل الظهور إلى لحظة محسوبة بعناية، بحيث يتحول الخطاب أو الظهور العلني إلى رسالة استراتيجية تعزز الثقة الداخلية وتُظهر قدرة النظام على السيطرة على مسار الأحداث.
وهناك بعض التعليقات والرسائل التي تُشير إلى أن الغياب لا يكون علامة على الضعف، بل جزءًا من إدارة الرمزية السياسية؛ فالقائد في الأنظمة الثورية غالبًا ما يظهر في اللحظة التي يكون لظهوره فيها أكبر أثر نفسي وسياسي.
لكن في المجمل كان الشئ المشترك بين كل هذه الآراء هو ربط الإيرانيين بين هذا الغياب وبين الموروث الديني المرتبط بفكرة الغيبة في الثقافة الشيعية، وهو ما أضفى بعدًا رمزيًا وسياسيًا على النقاش الدائر داخل المجتمع، وأنهم معتادين على غياب الإمام وانتظار ظهوره، وهذا الأمر لم يؤثر مطلقًا في صمودهم أمام كل الأزمات الداخلية والخارجية التي مرت بها بلادهم، فمهما طال أمد ظهوره سينتظرون.
وفي رأيي أن التفسير الأكثر عمقًا لفهم ردود الفعل داخل المجتمع الإيراني لا يجب أن يكون سياسيًا فقط، بل ثقافيًا ودينيًا أيضًا، فالمجتمع الشيعي، وخاصة في إيران، يعيش منذ قرون مع فكرة غيبة الإمام المهدي، و إن هذا المفهوم الديني ترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي الإيراني، حيث اعتاد المجتمع على فكرة أن القائد أو الإمام قد يكون حاضرًا في المعنى والسلطة حتى لو لم يكن حاضرًا في المشهد العلني.
وبالتالي فإن فكرة الغياب المؤقت للقيادة لم تُفسَّر من قِبل الإيرانيين بوصفها فراغًا في السلطة، بل يمكن أن تُفهم ضمن ثقافة سياسية اعتادت على الرمزية والانتظار.
ولا يعني ذلك أن الإيرانيين يربطون بشكل مباشر بين القيادة السياسية والإمام الغائب، لكن البنية الثقافية التي تشكلت حول مفهوم “الغيبة” جعلت المجتمع أكثر تقبلًا لفكرة القيادة غير الظاهرة بشكل دائم.
خاتمة
في النهاية يتضح أن فكرة غيبة الإمام المهدي تمثل أحد أهم الأطر الرمزية التي يلجأ إليها المجتمع الإيراني لفهم الأزمات الكبرى والتعامل معها نفسيًا وروحيًا، ففي ظل الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران، أصبحت هذه العقيدة مصدرًا للأمل والصبر لدى كثير من الإيرانيين، حتى وإن رافقها أحيانًا قدر من التساؤل أو الجدل، وبين الأمل في الظهور المنتظر والواقع الصعب للحرب، يستمر تأثير هذه الفكرة في تشكيل وجدان المجتمع الإيراني وطريقة تعامله مع التحديات المصيرية.
وبينما يرى البعض في الغياب مجرد إجراء أمني طبيعي، يقرأه آخرون ضمن حسابات سياسية دقيقة، في حين يفسره بعض المحللين في إطار من الثقافة الدينية التي تشكل جزءًا مهمًا من وعي الإيرانيين.
وهكذا، يتحول غياب القائد في زمن الحرب من مجرد حدث عابر إلى ظاهرة تكشف الكثير عن طبيعة النظام السياسي في إيران، وعن العلاقة المعقدة بين السلطة والرمزية والدين داخل المجتمع الإيراني.