لا يزال هناك غياب لإجماع كامل حول الوضع الحقيقي لساحة المعركة في اليوم الثاني عشر من الحرب، لكن هناك اتفاقًا واسعًا على نقطة واحدة: هذه الحرب تجاوزت بكثير التصورات الأولية التي رأت فيها مواجهة قصيرة، وتحولت إلى أزمة متعددة الطبقات ذات تداعيات إقليمية وعالمية.
في اليوم الثاني عشر من الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت ثلاثة خطوط تحليلية رئيسية في وسائل الإعلام الدولية.
الأول: أن مصير الحرب لا يحدده التفوق العسكري وحده، بل القدرة على التحمّل والقدرة على تحمل التكاليف.
الثاني: أن شبكة القوى الحليفة لإيران في المنطقة لم تدخل بعد مرحلة الحرب الشاملة، وربما جرى الاحتفاظ بها عمدًا لمراحل لاحقة.
الثالث: أن روسيا، بخلاف كثير من اللاعبين الآخرين، بدأت بالفعل في جني مكاسب جيوسياسية واقتصادية من هذه الأزمة.
تقدم هذه التحليلات مجتمعة، صورة تختلف عن الرواية الأولية في واشنطن وتل أبيب التي تحدثت عن حرب قصيرة وحاسمة.
ولقد تناولت مجلة فورين بوليسي في تحليل لها أهمية الزمن والقدرة على الصمود في تحديد الطرف المنتصر في هذه الحرب.
الحجة الأساسية في هذا الطرح هي أن الهجوم الأولي الأمريكي الإسرائيلي قام على فرضية رئيسية: أن القضاء على رأس هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية، بما في ذلك علي خامنئي وقادة كبار آخرين، سيؤدي إلى انهيار سريع في بنية اتخاذ القرار والآلة العسكرية الإيرانية.
لكن بعد مرور أكثر من أسبوع على اندلاع الحرب، لم يحدث ذلك.
فعلى الرغم من الضربة القوية التي تعرض لها رأس النظام، ما تزال إيران تواصل إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل ومهاجمة القواعد الأمريكية في المنطقة. ويرى كاتب التحليل أن هذه الحقيقة تُظهر أن إستراتيجية قطع الرأس لم تحقق حتى الآن هدفها السياسي والعسكري.
النقطة المركزية في هذا التحليل هي أن الحروب غير المتكافئة لا يفوز فيها بالضرورة الطرف الذي يمتلك التفوق التكنولوجي أو الجوي أو القدرة التدميرية الأكبر.
ما يحدد النتيجة هو القدرة على الاستمرار، وامتصاص الضربات، وإعادة إنتاج القدرات، وفرض التكاليف على الخصم بمرور الوقت، وهو ما يسميه الكاتب القدرة على الصمود.
وفق هذا المنطق، لا تحتاج إيران إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي على الولايات المتحدة وإسرائيل، يكفي أن تصمد فترة طويلة بحيث تتحول الحرب من مواجهة جوية وصاروخية إلى أزمة جيوسياسية واقتصادية متعددة الأبعاد، تضغط على أسواق الطاقة والملاحة البحرية وشركات التأمين والتحالفات الإقليمية وحتى السياسة الداخلية الأمريكية.
ربما يقترب هذا التحليل أكثر من غيره من تفسير أسلوب إيران في إدارة هذه الحرب، إذ يعتمد بنك الأهداف وطبيعة العمليات العسكرية الإيرانية حتى الآن على فرضية مفادها أن الزمن ليس في صالح الولايات المتحدة، وأن الضربات يجب أن تُوجَّه بطريقة تؤثر بأكبر قدر ممكن على الأزمة الاقتصادية العالمية.
وهنا يصبح مضيق هرمز والطاقة في قلب الحرب.
يشير التحليل إلى أن نحو خُمس نفط العالم يمر عبر هذا الممر، وأن حتى اضطرابًا محدودًا فيه يمكن أن يخلّف آثارًا عالمية. ويذكر المقال ارتفاع سعر نفط برنت إلى أكثر من 107 دولارات، وتوقف جزء كبير من حركة الملاحة مؤقتًا في المضيق، وارتفاع تكاليف التأمين الحربي على ناقلات النفط.
ويخلص التحليل إلى أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق هرمز بالكامل، فمجرد إبقاء إمكانية التعطيل قائمة يمكن أن يخلق سلسلة من الصدمات في الأسواق العالمية، وفي هذا السياق، تصبح الجغرافيا أصلًا إستراتيجيًا لإيران، وهي ميزة لا تزول بسهولة حتى مع تضرر بنيتها العسكرية.
كما يشير التحليل إلى عدم تكافؤ اقتصادي مهم:
تكلفة الدفاع بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها أعلى بكثير من تكلفة الهجوم بالنسبة لإيران، فاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ بواسطة أنظمة باهظة مثل باتريوت وثاد مكلف للغاية وأبطأ من إنتاج واستخدام الأدوات الهجومية الأرخص لدى إيران.
ويخلص المقال إلى أن طهران تحاول تغيير ميزان الحرب ليس بزيادة الإنفاق، بل بإرهاق منظومات الدفاع لدى الخصم. وإذا كان هذا التقييم صحيحًا، فإن انخفاض عدد الصواريخ التي تطلقها إيران لا يعني بالضرورة انهيار قدراتها؛ بل قد يكون جزءًا من إستراتيجية إدارة الموارد لحرب أطول.
من زاوية أخرى، تقدم صحيفة ذا جارديان صورة مكملة. فإذا كانت قدرة إيران على الصمود مهمة، فإن أحد أهم أدوات هذه القدرة هو شبكة القوى الحليفة لها في المنطقة. ومع ذلك، لم تدخل هذه الشبكة بعد بكامل قوتها في الحرب.
يشير تقرير للصحفي جيسن بيرك إلى أن القوى القريبة من إيران في العراق ولبنان وغيرها واصلت هجماتها ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما، لكنها حتى اليوم الثاني عشر امتنعت عن الدخول في مواجهة شاملة.
ويرى محللون ومسؤولون إقليميون أن هذا «ضبط النفس النسبي» قد يحمل معنيين:
أولا: إما أن طهران تحتفظ بهذه القوى كاحتياطي إستراتيجي لمراحل لاحقة.
ثانيا: أن نظام القيادة والسيطرة الإيراني تعرض لاضطراب بسبب الضربات، ما قلل قدرته على تنسيق تعبئة إقليمية واسعة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحوثيون في اليمن.
فعلى الرغم من الأهمية المتزايدة لطريق البحر الأحمر بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، لم يشن الحوثيون حتى الآن هجمات واسعة على الملاحة هناك أو يدخلوا مباشرة في الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم تهديدهم بأن أصابعهم على الزناد.
بالنسبة للمراقبين، سيكون مرور مجموعة حاملة طائرات أمريكية عبر مضيق باب المندب اختبارًا مهمًا. فإذا لم يتحرك الحوثيون، فقد يشير ذلك إلى حسابات مستقلة وحذر من المخاطر. أما إذا هاجموا، فقد يتحول البحر الأحمر إلى جبهة حاسمة.
كما تشير ذا جارديان إلى أن دخول الحوثيين هذه الحرب قد لا يمنحهم نفس المكاسب الداخلية والإقليمية التي حققتها لهم حرب غزة، وقد ينطوي على مخاطر أكبر.
الوضع في العراق لا يقل تعقيدًا. فقد نفذت جماعات قريبة من إيران هجمات على مواقع أمريكية وأهداف أخرى، ما جعل العراق إحدى جبهات الحرب المهمة. ومع ذلك، لم تظهر بعد مؤشرات على هجوم إقليمي واسع ومنسق.
تواصلت الهجمات في أربيل وبغداد وعلى قواعد ومنشآت مختلفة، ونُفذت عدة ضربات جوية ضد مواقع للميليشيات. كما ظهرت تقارير غير مؤكدة عن عمليات للقوات الخاصة الأمريكية والإسرائيلية في صحراء غرب العراق.
لكن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن هذه الجماعات قادرة على فعل أكثر، إلا أنها تضبط مستوى التصعيد خشية ردود فعل أشد.
وهنا يتقاطع تحليل الغارديان مع فكرة القدرة على الصمود: ربما لم تستخدم إيران بعد جميع أوراقها.
أما مجلة تايم فتضيف بُعدًا ثالثًا: فكلما طال أمد الحرب، زادت فرص اللاعبين غير المباشرين لتحقيق مكاسب، وعلى رأسهم روسيا.
تشير المجلة إلى أن موسكو أصبحت منذ الأسبوع الأول للحرب في موقع الرابح المبكر. ليس لأن الحرب بلا تكلفة بالنسبة لها، بل لأنها تستفيد من آثارها الثانوية، خصوصًا في أسواق الطاقة وفي جبهة أوكرانيا.
تذكر المجلة إدانة روسيا الرسمية للهجوم الأمريكي الإسرائيلي، لكنها تشير أيضًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط وتحول اهتمام العالم بعيدًا عن الحرب في أوكرانيا يصبان في مصلحة موسكو.
ومن النقاط المهمة أن الحرب خففت جزئيًا من ضغوط العقوبات النفطية على روسيا. فقد أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءً مؤقتًا لمدة 30 يومًا لبعض معاملات النفط الروسي بسبب المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة. وهذا يسمح لروسيا ببيع نفطها بأسعار أفضل وبطلب أعلى.
كما أن اضطراب إمدادات النفط من الخليج إلى الأسواق الآسيوية يفتح مجالًا أكبر أمام روسيا. وهكذا، فإن حربًا مدمرة لإيران وكثير من دول المنطقة قد تتحول بالنسبة لموسكو إلى هدية جيوسياسية.
وتشير المجلة أيضًا إلى تأثير آخر للحرب على روسيا: استنزاف مخزونات الدفاع الجوي الغربية، وخاصة الأمريكية. فأنظمة مثل باتريوت يجب أن تدعم في الوقت نفسه حلفاء واشنطن في الخليج والقوات الأمريكية وأوكرانيا.
وفي مثل هذه الظروف، كلما طال الصراع مع إيران، قد تتراجع أولوية أوكرانيا وتصبح أكثر عرضة للهجمات الروسية. بمعنى آخر، حرب إيران ليست مجرد أزمة شرق أوسطية؛ بل قد تؤثر أيضًا في ميزان الحرب في أوكرانيا.
كما تشير المجلة إلى تقارير تفيد بأن روسيا ربما زودت إيران بمعلومات استخباراتية عن تحركات الولايات المتحدة. ورغم أن المسؤولين الأمريكيين قللوا من أهمية هذه التقارير، فإن مجرد طرحها يظهر أن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل ساحة تنعكس فيها المنافسات العالمية الكبرى.
إذا جمعنا هذه الروايات الثلاث، فإن اليوم الثاني عشر من الحرب لم يعد يشبه أيامها الأولى.
في البداية كان التصور السائد أن ضربة خاطفة لرأس النظام، مقرونة بالتفوق الجوي والاستخباراتي، ستدفع إيران إلى الاستسلام أو الانهيار خلال أيام.
لكن التحليلات الآن تؤكد شيئًا مختلفًا:
نتيجة الحرب لم تعد تعتمد أساسًا على الضربة الأولى، بل على من يستطيع إدارة الزمن بشكل أفضل، ومن يفعل الجبهات الثانوية في الوقت المناسب، ومن يستفيد أكثر من الآثار الاقتصادية والجيوسياسية للأزمة.
ما زال الوضع الحقيقي في ساحة المعركة غير واضح تمامًا، لكن هناك شبه إجماع على نقطة واحدة: هذه الحرب تجاوزت فكرة الحرب القصيرة، وأصبحت أزمة متعددة الأبعاد ذات تداعيات إقليمية وعالمية.
في اليوم الثاني عشر، لم تقترب الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من نهايتها، ولا تزال منطقها النهائي غير واضح.
فإذا تمكنت إيران من الحفاظ على الضغط في مضيق هرمز وأسواق النفط والجبهات المحيطة، فستكتسب نظرية الصمود وزنًا أكبر.
وإذا دخل الحوثيون وحزب الله والجماعات العراقية مرحلة أوسع من القتال، فستتعزز فرضية الاحتياطي الإستراتيجي.
أما إذا استمرت أزمة الطاقة وتشتيت انتباه الغرب عن أوكرانيا ونقل منظومات الدفاع، فستظل روسيا أحد المستفيدين النسبيين من هذه الحرب.
في مثل هذه الظروف، ما يظهر في اليوم الثاني عشر ليس علامة على النهاية، بل علامة على انتقال الحرب من مرحلة الصدمة الأولى إلى مرحلة الاستنزاف، وتعدد الجبهات، وإعادة تشكيل مصالح اللاعبين المختلفين.
ــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة مقالة بعنوان: “معماى جنگ، از فرسایس حفظ نیابتی ها برای روز مبادا تا سود موسکو از ٱشوب ایران (بالعربیة: لغز الحرب: من الاستنزاف والاحتفاظ بالوكلاء لوقت الحاجة إلى استفادة موسكو من اضطراب إيران) منشورة بموقع راديو زمانه بتاريخ ٢٠ اسفند ١٤٠٤ هـ. ش. الموافق ١١ مارس ٢٠٢٦م.