لا تكاد الأمور تستقر بين واشنطن وطهران على وقع تدخل دول إقليمية عربية إلى جانب تركيا، وهو تحول استراتيجي كبير، لاستئناف المفاوضات بين الجانبين، حتى تدخل على خط المواجهة عملية من شأنها أن تعكر صفو أي تحول في المسار التصاعدي بين الجانبين، وكان آخرها عملية تحرش الزوارق البحرية الإيرانية بسفينة أمريكية تُسمى “ستينا إمبيراتيف” وترفع العلم الأمريكي خلال مرورها بمضيق هرمز، في رسالة إيرانية واضحة بأن سفن واشنطن تحت سمع وبصر طهران ورجالها، وأن الإيذاء يمكن أن يحدث في أي لحظة.
وعلى الرغم من بدء الطرفين مفاوضات غير مباشرة في سلطنة عمان بشأن الملف النووي، والتي سبقها طلبًا إيرانيًا بتغيير مكان المفاوضات وشكلها، وهو ما أسفر في النهاية إلى عقد جولة أولية في سلطنة عمان، إلا أن الولايات المتحدة طلبت قبيل ساعات من بدء تلك الجولة من مواطنيها في إيران بضرورة مغادرة إيران فورًا عبر أرمينيا أو تركيا، علاوة على استمرار التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة كتمهيد للتحضير لعملية عسكرية إذا ما وجدت واشنطن أن المفاوضات لن تجدي نفعًا.
آرمادا أمريكية
في أحد لقاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طائرته الرئاسية، وجه حديثه للصحفيين وقال إن هناك آرمادا أمريكية في طريقها إلى إيران، وهو يقصد هنا أسطولًا عسكريًا كبيرًا جاهزًا ومجهزًا لعملية عسكرية ضخمة ضد إيران إذا لم ترضخ للولايات المتحدة في شروطها التعجيزية. وقد استدعى ترامب لفظ “أرمادا” من حملة الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا عام 1588م، وهي الحملة التي أُطلق عليها اسم “أرمادا”، وتعني في الإسبانية “الأسطول الذي لا يُقهر”.
وفيما يبدو أن ترامب قد استنبط أن أسباب الأرمادا الإسبانية ضد إنجلترا هي نفسها أسباب الأرمادا الأمريكية ضد إيران، فكما أن ملك إسبانيا كانت له دوافعه لتلك الأرمادا، والتي تمثلت في دوافع دينية بعد أن تحولت إنجلترا إلى البروتستانتية على يد الملكة إليزابيث الأولى، فاعتبر نفسه حاميًا ومدافعًا عن الكاثوليكية، ثم دوافع سياسية بعد أن دعمت إنجلترا المتمردين الهولنديين ضد الحكم الإسباني في هولندا، بالإضافة إلى محاولة وقف هجمات القراصنة الإنجليز على مستعمرات إسبانيا وسفنها المحملة بالذهب، فإن كل تلك العوامل تتشابه مع الخطاب الديني العدائي من إيران ووكلائها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، إذا ما أخذنا في الاعتبار قيام النظام الإيراني على فكرة العداء لأمريكا والغرب، وتطعيم وكلاء إيران بالأسلحة اللازمة لمهاجمة مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وسفنها التجارية والعسكرية، وكذلك مهاجمة إسرائيل، ربيبة واشنطن في الإقليم، على غرار عمليات قراصنة إنجلترا ضد إسبانيا.
لكن الأزمة أن آرمادا الملك فيليب الإسباني فشلت فشلًا ذريعًا أمام تكتيك الإنجليز العسكري البحري، وهو ما حذر منه أحد القادة العسكريين الأمريكيين، وهو هارلان أولمان، القيادي السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، وكبير المحللين في المجلس الأطلسي، والذي كتب في مقال له في صحيفة The Hill موجهًا حديثه إلى ترامب، وطالبه بأن يعيد حساباته بشأن عملية ضرب إيران، وهو ما يشير إلى أن هناك أجنحة في مراكز صناعة القرار في الولايات المتحدة ترفض خطاب ترامب العسكري ضد إيران، على الرغم من تغنيه برغبته في توجيه ضربة عسكرية محتملة حال فشلت المفاوضات.
درس من هزائم متكررة
لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية إيران عسكريًا إلا في صبيحة 22 يونيو من العام الماضي 2025، حينما ضربت مفاعلات إيران في عملية “مطرقة منتصف الليل”، مستخدمة قاذفات متطورة لتحقيق أكبر قدر من الخسائر في عمق جبال طهران التي تحوي في باطنها أهم ثلاثة مفاعلات نووية في البلاد، وهي الضربة التي أنهت الحرب بين إيران وإسرائيل، ولم تفتح صراعًا بين واشنطن وطهران مجددًا بعد أن تدخل ترامب بوساطة قطرية لإنهاء الأزمة التي نشبت على وقع المفاوضات التي كانت تجري في سلطنة عمان مرة، وفي إيطاليا مرة أخرى.
وقبل ذلك كان هناك تاريخ من الهزائم للقوات الأمريكية في جغرافيات أخرى خارج الولايات المتحدة الأمريكية خلال عمليات تغيير الأنظمة السياسية، كان أبرزها فشل الولايات المتحدة الأمريكية في إيران عام 1980 في عملية “مخلب النسر”، التي حاولت فيها قوات “دلتا” الأمريكية تحرير الأسرى الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران في أعقاب الثورة الخمينية التي انتهت بتصعيد رجال الدين إلى الحكم في إيران.
وقبلها بحوالي 18 عامًا سطرت قوات الكوماندوز الأمريكية فشلًا آخر في خليج الخنازير بكوبا، حين حاولت غزو البلاد لإنهاء حكم فيدل كاسترو، وقد كان ذلك الفشل ما عزز التحالف بين كوبا والاتحاد السوفييتي، إلى جانب تحويل كوبا إلى النظام الاشتراكي ومصادرة نظام كاسترو لعدة أصول أمريكية في كوبا، وهو ما خصم من رصيد الرئيس الأمريكي وقتها جون كينيدي، وهدد شرعيته بشكل كبير.
وقد كانت تلك الحوادث وغيرها هو ما دعا مراقبون لأن يعلون من شعار “إيران ليست فنزويلا”، في إشارة إلى عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والتي جرت في 3 يناير الماضي، من خلال عملية إنزال بري على مقر إقامة مادورو في العاصمة الفنزويلية كاراكاس.
مستقبل إيران
تدور عدة تكهنات في أروقة صناعة القرار الأمريكية عن سيناريوهات مستقبل التعامل مع إيران، خاصة وأنها تغولت كثيرًا في منطقة الشرق الأوسط على المصالح الأمريكية والأوروبية، وباتت تهديدًا لا يستهان به لمستقبل علاقات أمريكا مع دول الإقليم، وعلى أمن إسرائيل بشكل أساسي، وهو ما يكشف حجم الضغوط الإسرائيلية الكبيرة على الولايات المتحدة لتنفيذ عملية عسكرية تنهي على قواعد ومفاصل هذا النظام لتنعم إسرائيل بهدوء لم يسبق له مثيل.
غير أن أروقة صناعة القرار في واشنطن تدرك جيدًا أن إنهاء حكم نظام الملالي، في ظل غياب البديل، وعدم القبول الذي يحظى به نجل الشاه محمد رضا بهلوي، لن يسفر إلا عن صعود الجنرالات إلى سدة الحكم في البلاد، وهو ما قد يعقد الأزمة أكثر مما كانت عليه.
ففي ظل تحلي رجال الدين برؤية براغماتية في بعض الأحيان، فإن سقوطهم وتصعيد العسكريين معناه التخلي عن البراغماتية مقابل تصعيد الجيوش العقائدية المؤدلجة التي ترفض الخضوع لفتاوى تحريم السلاح النووي، ولا تعترف إلا بمنطق القوة والسيطرة، وقد يكون نظام الجنرالات أشد استبدادًا وقسوة وسطوة في التعامل مع الولايات المتحدة من نظام رجال الدين، ووقتها ستكون مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل مهددة بشكل كبير، علاوة على بروز الانفلات الأمني الواضح في الإقليم نتيجة علو صوت القوميات الانفصالية في إيران كالبلوش والأحوازيين ، وهو ما تتخوف منه دول الإقليم من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية.
خاتمة
لقد باتت الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في حالة عداء ظاهري وخفي، إذ وضعت واشنطن طهران في نفس السلة التي وضعت فيها واشنطن بغداد قبل عام 2003 وقبل الغزو الأنجلو أمريكي الذي أسفط نظام صدام حسين وبات العراق ساحة نفوذ أمريكية تقاسمتها مع إيران لاحقاً، وتدرك الولايات المتحدة جيدا أن تنازلها نفوذها في الإقليم ليس معناه تنازلا أمام إيران فقط، بل تنازلا أمام الصين وروسيا، إذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقات الاستراتيجية بين طهران وبكين وموسكو.
وعليه يمكن اعتبار أن واشنطن قد تستثمر الوقت لتوفير البديل في طهران إذا تيقنت أن النظام الحالي لا يحقق رغبات الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وعليه يمكن اعتبار أن منطقة الشرق الأوسط باتت ساحة صراع كبرى لدول إقليمية وغير إقليمية.