يُعَدّ النظامُ النقدي والمصرفي في أي دولة العمودَ الفقري لاقتصادها؛ فهو المؤسسة التي تُحدِّد قراراتُها مسارَ النمو أو الركود، بل وحتى الاستقرارَ الاجتماعي.
غير أنّه وبالرغم من حساسية موقع البنك المركزي في رسم السياسات النقدية والاقتصادية في إيران فإنّ سجلّه في ضبط السيولة، وتثبيت سوق الصرف، وتحقيق الاستقرار المالي لم يكن بالمستوى المطلوب.
ويمكن إرجاع جذور هذا الإخفاق إلى محورين رئيسيين:
أولا: النظرة الضيّقة والمنغلقة تجاه الأدوات المالية والرقمية الحديثة.
ثانيا: غيابُ التفاعل الفعّال مع بيئة الأعمال والسلطة التشريعية.
خلال السنوات الأخيرة، بدت سياسات إيران النقدية أقرب إلى التحكم القسري والسلوكيات شبه البوليسية منها إلى التنظيم الذكيّ للسوق أو الإدارة العلمية للسيولة، فالتشدّد في مواجهة العملات الرقمية، وتقييد الأنشطة المالية الجديدة، بل وحتى مبادرات مثل الطرح المسبق للعملات الذهبية التي تُعَدّ حلولًا قصيرة المدى لا تتعدّى كونها مُسكّنات وقتية، كلها تؤكّد أن البنك المركزي لم يصل بعد إلى موقعه الطبيعي كمنظّم ذكيّ ومُيسّر للاقتصاد.
على النقيض من ذلك، ترى الأنظمة النقدية المتقدمة أن وظيفتها هي توجيه السيولة لا «سَجْن» السوق أو تعطيله.
فالعملاتُ الرقمية في العديد من الدول جرى تنظيمُها ضمن إطار قانوني واضح وتحت رقابة الهيئات المالية الرسمية.
وقد أسهم هذا النهج في تحقيق استقرار أعمق للسوق وفتحِ المجال أمام نشوء صناعات مالية جديدة؛ بينما لا تزال هذه الظاهرة في إيران تُواجَه بعقلية المنع والمقاربات الأمنية.
ومن التحديات البارزة الأخرى، النظرةُ التعطيلية للبنك المركزي تجاه التصدير والحركة الطبيعية لرأس المال، فقد أكّد الفاعلون الاقتصاديون مرارًا أن البيروقراطيات المرتبطة بسوق الصرف واللوائح غير الواضحة لم تُسهم في الاستقرار، بل تحوّلت إلى عائق كبير أمام التجارة الخارجية.
لقد كان بإمكان البنك المركزي عبر تصميم لوائح أكثر ذكاء أن يُنشئ فضاءً نقديًا مستقرًا وبسيطًا وقابلًا للتنبؤ، بحيث يمنع خروج رأس المال ويدعم الصادرات في الوقت نفسه.
لكن الواقع مختلف؛ فالمصدّرون يواجهون حزمةً من التعليمات المتغيرة، والأنظمةِ التقنية المعقدة، والالتزاماتِ غيرِ المتجانسة، وهي عوامل تُسهم مباشرة في زيادة الاضطراب الاقتصادي.
ومن أوجه القصور المزمنة في نظامنا المصرفي غيابُ التمايزِ المهني بين البنوك، فالمصارفُ المتخصصة الزراعية، والصناعية، وبنوك التنمية، ابتعدت عن مهامّها الأساسية، ودخلت مجالات لا تمتلك فيها لا الخبرةَ ولا البنيةَ المناسبة.
ويتطلب إصلاحُ هذا الوضع إعادةَ البنوك إلى وظائفها الطبيعية، فتوجّهُها إلى اختصاصاتها سيجعل تخصيصَ الائتمان أكثر دقّة، كما سيحوّل الموارد المالية إلى الطلب الحقيقي والقطاعات الإنتاجية.
أمّا إصدارُ الأوراق المالية والنقدية تحت إشراف البنك المركزي فيمكن أن يلعب دورًا مهمًّا في امتصاص السيولة المشتّتة ضمن أدوات قانونية وشفافة.
وتبرز كذلك إشكاليةُ “قروض الإلزام” التي تُسهم بشكل مباشر في التضخّم وإضعاف فعالية السياسات المصرفية.
فالنموذجُ الحالي، القائم على الضخّ النقدي المباشر، يؤدي إلى انحراف الموارد نحو أسواق المضاربة ــ كالذهب والعملات والعقارات ــ بدل من توجيهها إلى الإنتاج أو الاستهلاك المنتج.
من ثمّ، فإن على البنك المركزي الإيراني، بالتعاون مع الحكومة والبرلمان، ابتكارَ نماذج جديدة لتخصيص الائتمان.
يمكن للقروض العينية أو عمليات الائتمان القائمة على الاحتياجات الحقيقية للأسر والمشروعات الصغيرة أن تكون غيرَ تضخّمية وفي الوقت ذاته محفّزة للنشاط الاقتصادي.
ينبغي أن يكون البنك المركزي مؤسسةً قائمةً على حوكمة البيانات، إذ إن القرارات النقدية الفعّالة لا يمكن اتخاذها إلا عبر امتلاك بيانات دقيقة حول سلوك المعاملات لدى الأفراد، ومحفظةِ القطاع المصرفي، وتدفّقاتِ السيولة، واتجاهاتِ السوق.
وفي الدول المتقدمة، تساعد الأنظمة التحليلية الفورية البنوكَ المركزية على التدخل في الوقت المناسب، ورصدِ المخاطر، وصياغةِ سياسات مستدامة.
أمّا في إيران، فإن ضعف البنية التحتية القائمة على البيانات جعل كثيرًا من القرارات ارتجاليةً ومؤقتة.
وإذا تمكّنت البنوك الإيرانية من أداء دور المستشارِ المالي الحقيقي وتوجيهِ المواطنين نحو أدوات الاستثمار الإنتاجية، فإن ذلك سيُعزّز الثقة العامة ويُعيد مسار خلق الثروة نحو الإنتاج بدل المضاربة.
ـــــــــــ
مقالة بجريدة “سازندگی” (بالعربية: البناء) بعنوان “بانک مرکزی ما و بانک مرکزی آنها.. گسست ساختاری در حکمرانی پولی ایران چگونه به وجود آمد؟” (بالعربية: بنكُنا المركزي وبنكُهم المركزي.. كيف نشأ الانفصال البنيوي في الحوكمة النقدية في إيران؟) بقلم: رضا اميدوار تجريشي، خبير الاقتصاد النقدي والتنمية، تاريخ النشر: 6 آذر 1404 الموافق 27 نوفمبر 2025م.
