تفرض المتابعة المستمرة للمقاطع المصوّرة القصيرة التي تنشرها وحدة الأمن السيبراني التابعة للحرس الثوري الإيراني، والتي تتضمن استعراض صواريخ تحمل عبارات موجّهة نحو الأراضي المحتلة أو القواعد الأمريكية في المنطقة، مقاربة هذا المحتوى من منظور تحليل الخطاب الإيراني، فالمسألة لا تقتصر على استخدام اللغة والعبارات بوصفها أداة لوصف الواقع، بل تمتد إلى إدراك دورها في إعادة تشكيله وصناعته، إذ تتعامل إيران مع الخطاب باعتباره أداة إستراتيجية تُسخَّر لخدمة أهدافها السياسية والأيديولوجية، لا مجرد وسيلة للتعبير.
وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى الصاروخ كوسيلة عسكرية للتدمير فحسب، بل كنص رمزي مشحون بدلالات سياسية ودينية، يُنتج رسائل متعددة المستويات؛ فهو من جهة يعكس القوة ويؤسس لخطاب الردع، ومن جهة أخرى يسهم في تعبئة الداخل وتعزيز التماسك الداخلي. وعليه، فإن العبارات المنقوشة على الصواريخ الإيرانية ليست عفوية، بل تصدر عن منظومة فكرية ثورية ذات طابع ديني، تستهدف في آنٍ واحد طمأنة الداخل وبثّ الرهبة في الخارج.
البُعد الدعائي للصواريخ واستخدامها كوسيلة للخطاب السياسي
تُقدَّم الصواريخ الإيرانية، في سياق التحليل السياسي والخطابي، بوصفها أكثر من مجرد أدوات عسكرية؛ إذ تتحول إلى وسيط رمزي مُحمَّل بدلالات تُستخدم لإنتاج خطاب سياسي متكامل. فإيران لا تتعامل مع الصاروخ باعتباره وسيلة للردع المادي فحسب، بل كـ”نص بصري–لغوي” يُخاطب جمهورين في آن واحد: الداخل والخارج، من خلال العبارات المنقوشة على هيكل الصاروخ، ومقاطع الفيديو المصاحبة لعمليات الإطلاق، وطبيعة الإخراج الإعلامي الذي تتولاه المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، حيث يُعاد تشكيل الصاروخ كأداة تواصل إستراتيجي تُجسِد مفاهيم مثل السيادة، والثأر، والمظلومية، والشرعية الدينية.
وفي الحرب الحالية لم تعد العبارات على الصواريخ تُكتب باللغة الفارسية فقط، بل باللغة العربية والإنجليزية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما كُتب على أحد الصواريخ في الموجة رقم 85 من عملية الوعد الصادق 4 التي كانت موجهة إلى إحدى القواعد الأمريكية في المنطقة:
“When the band of Trump are destroying America, there is no need for our missiles to reach U.S. territory”.
وهي تعني: “عندما تكون جماعة ترامب تدمر أمريكا، فلا حاجة لصواريخنا أن تصل إلى الأراضي الأمريكية”، وهي عبارة ساخرة تدل على خطاب سياسي ذكي يهدف إلى نزع الهيبة من الخصم وتضخيم أخطائه، وتقديم الطرف الايراني كطرف واعي ومتحكم، وفي نفس الوقت تعزيز ثقة الداخل الإيراني وطمأنته.
وفي الموجة الصاروخية رقم 86 تم كتابة عبارة: “لا ملوك” “NO KINGS”
وهو شعار ارتبط بالمظاهرات الأمريكية الأخيرة ضد السلطة والنخبة الحاكمة، وهنا عمد الحرس الثوري إلى إعادة تأطير القضية من صراع داخلي أمريكي لسياق صراع دولي، وتصوير حزب ترامب كقوة متسلطة مستبدة، وتقديم إيران كحليف للشعوب ضد السلطة، واختراق للخطاب السياسي الأمريكي، ونزع الشرعية عن الخصم.
وفي إحدى الموجات الصاروخية الموجهة إلى الأراضي المحتلة والتي لم يحدد الحرث الثوري رقمها، كُتبت عبارة: “يل ياتار طوفان ياتار ياتماز حسينيين پرچمی، برای حسینیه اعظم زنجان” والتي تعني: “الرياح تهدأ والطوفان يهدأ لكن راية الحسين لا تهدأ، انتقامًا للحسينية الأعظم في زنجان”، وحسينية الأعظم هو جامع وبه حسينية تعتبر من أشهر أماكن إحياء الشعائر يوم عاشوراء في مدينة زنجان، وهو الذي تم تدميره في إحدى الهجمات الأمريكية-الاسرائيلية، ولقد كُتبت العبارة باللهجة الآذرية المستخدمة في شمال غرب إيران، وهي رسالة موجهة لإيحاء قوي بالوحدة وأن كل إيران بمختلف أطيافها مجتمعة على هدف واحد وهو الانتقام من العدو ولا وجود للصراعات في الداخل الإيراني والتي يروج لها إعلام العدو، وكذلك ربط الصراع الحالي بثورة الإمام الحسين لإعطائه شرعية دينية وتاريخية.
وفي إحدى المقاطع المصورة التي نشرها الحرث الثوري لصاروخ موجه إلى الأراضي المحتلة كُتبت عبارة: “حتى به تقاص خون دلهاى مسيح عليه السلام” وهي تعني: “ردًا على كل ما عاناه المسيح عليه السلام”، إن كتابة هذه العبارة على صاروخ إيراني تمثل توظيفًا متعمدًا للرمزية الدينية في الخطاب العسكري، حيث يُستدعى المسيح كشخصية ترمُز للمعاناة والظلم لتضفي على الهجوم طابعًا أخلاقيًا ودينيًا، وتحويل الصاروخ من مجرد أداة عسكرية إلى وسيلة رمزية للانتقام والعدالة من اليهود الذين اضطهدوا وكذبوا رسالة المسيح عليه السلام، وتذكير للعالم أجمع بجرائهم على مر الزمان، هذه الإستراتيجية تدمج القوة الصلبة مع القوة الرمزية، فتصبح الرسالة موجهة ليس لإسرائيل أو القوى الغربية فحسب، بل تهدف أيضًا إلى إنتاج تأثير معنوي يظهر الهجوم كجزء من مهمة أخلاقية، بما يعكس أسلوب حرب الخطاب الإيراني، حيث يُستخدم السلاح كأداة إعلامية تعكس القيم والمبادئ المستمدة من الرموز الدينية.
مما سبق عرضه يمكن القول أن العبارات المكتوبة على الصواريخ تحمل بُعدًا دعائيًا كثيفًا، حيث تسعى إيران إلى تحويل الضربة العسكرية إلى “حدث رمزي” يتجاوز لحظة الإطلاق أو التأثير المادي، وإن هذه اللغة الموجهة تعمل على إعادة توصيف الصراع كصراعًا وجوديًا وأخلاقيًا، وليس مجرد نزاع جيوسياسي تقليدي، ومن هنا، تتحول الصواريخ إلى “وسائط خطابية” تُنتج معنى وتُعيد تدويره عبر وسائل الإعلام، خاصة في عصر تنتشر فيه الصور ومقاطع الفيديو بسرعة هائلة، كما أن استخدام مفردات دينية وتاريخية يمنح الفعل العسكري شرعية رمزية، ويُضفي عليه طابعًا مقدسًا في وعي الجمهور المتلقي، سواء داخل إيران أو في البلاد المتعاطفة معها، ومن منظور تحليل الخطاب، يمكن قراءة هذه الظاهرة في إطار ما يُعرف بـ”الهيمنة الرمزية”، حيث تسعى الدولة إلى فرض تفسير معين للصراع، يجعلها في موقع المدافع عن القيم والعدالة، لا مجرد طرف في نزاع سياسي.
الرسائل الردعية وإدارة التصعيد
إلى جانب البُعد الدعائي، تؤدي هذه العبارات وظيفة ردعية نفسية دقيقة، تستهدف الخصوم بشكل مباشر، وعلى رأسهم دولة الاحتلال والولايات المتحدة؛ فكتابة رسائل محددة على الصواريخ، موجهة بالاسم أو محملة بإشارات واضحة، تُعد نوعًا من الشخصنة المتعمدة للتهديد، ما يزيد من تأثيره النفسي ويجعله أكثر حضورًا في وعي صناع القرار والرأي العام لدى الطرف الآخر، هذه الممارسة لا تنفصل عن مفهوم “إدارة التصعيد”، حيث تحاول إيران إيصال رسائل قوية دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل، فهي تستخدم لغة حادة، لكنها محسوبة، تُظهر القدرة والاستعداد، دون أن تستدعي بالضرورة ردًا عسكريًا واسع النطاق، كذلك، فإن هذه العبارات تُسهم في بناء صورة ذهنية عن إيران كفاعل لا يكتفي بالفعل العسكري، بل يحرص على توضيح دوافعه وإطاره الرمزي، وهو ما قد يخلق نوعًا من “التوازن النفسي” في الصراع، بمعنى آخر، لا تقتصر الرسالة على “نستطيع الضرب”، بل تمتد إلى “نعرف لماذا نضرب، ونريدك أن تفهم ذلك”.
البُعد الداخلي وتعبئة الجمهور
على المستوى الداخلي، تلعب هذه الرسائل دورًا مهمًا في تعبئة الجمهور الإيراني وتعزيز التماسك الوطني، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها البلاد، فالنظام الإيراني يعتمد بدرجة كبيرة على إعادة إنتاج الخطاب الثوري المرتبط بمفاهيم مثل “المقاومة” و”مواجهة اعتداء الدول”، وتأتي هذه الشعارات المكتوبة على الصواريخ كامتداد مادي ومرئي لهذا الخطاب.
فعلى سبيل المثال: جاءت الموجة 88 من الصورايخ تحمل عبارات على غرار “به نيابت از شما مردمى كه خيابانها را خالى نكردند” بمعنى: “ذلك الصاروخ موجه نيابة عن الشعب الذي لا يترك الشارع دعمًا لدولته”، وكذلك عبارة: “آسمان با ما خيابان با شما” والتي تعني: “السماء لنا والشارع لكم” أي أن الجيش يحارب بإطلاق الصواريخ والشعب يحارب في الشارع بتأييد الجيش والدولة.
هذه العبارات تبرز المواطنين كأبطال ملتزمين بالقيم الوطنية، وتضمر لومًا لمن لم يشاركوا في التعبير عن الولاء والامتثال، وعندما يرى المواطنون هذه العبارات في مقاطع مصورة متجسدة على أدوات عسكرية متطورة، فإن ذلك يعزز الشعور بالقوة والقدرة، ويعيد توجيه الانتباه من الأزمات الداخلية إلى “التهديدات الخارجية”، كما أن اللغة المستخدمة تعمل كأداة دعائية إيجابية، تعزز الشعور بالانتماء الجماعي والالتزام السياسي تجاه الدولة، وتستخدم الشكر الرمزي لتأكيد الطاعة والطابع الثوري للجمهور الإيراني.
خاتمة
في المجمل، تكشف ظاهرة كتابة العبارات على الصواريخ الإيرانية عن تداخل عميق بين القوة العسكرية والرمزية في الإستراتيجية الإيرانية، فهي ليست مجرد كلمات تُكتب على سلاح، بل جزء من منظومة متكاملة تهدف إلى التأثير في الإدراك قبل الواقع، وفي المعنى قبل النتيجة. ومن خلال هذا المزج بين الفعل والخطاب، تسعى إيران إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية لا تعتمد فقط على قدراتها العسكرية، بل أيضًا على قدرتها على إنتاج رواية متماسكة للصراع. وبالتالي، فإن فهم هذه الرسائل يفتح نافذة أوسع لفهم كيفية إدارة إيران للصراع في المنطقة، ليس فقط عبر الصواريخ، بل عبر اللغة التي تُكتب عليها.