من المؤكد أن أحداث شتاء عام 1404 هـ. ش. (ديسمبر 2025م ــ يناير 2026م)، بصرف النظر عن تداعياتها وخسائرها ونتائجها، ستُسجَّل في تاريخ إيران بوصفها أكبر تحدٍّ سياسي واجتماعي واجهته الجمهورية الإسلامية في عمرها الممتد منذ العام 1979م.
ماذا حدث في إيران؟!
قد كانت نقطة الانطلاق هذه المرة من بازار طهران الكبير، الأمر الذي أدى في بداياته إلى توصيف هذه التحركات على أنها “انتفاضة معيشية”، غير أنّ امتداد الاحتجاجات سريعًا إلى المدن الصغيرة والنائية في إيران جعل المراقبين يدركون أنهم إزاء نمط مختلف من الاحتجاج في هذه البلاد.
فقد تبدّلت البنية ديموجرافية المشاركين، كما اتّخذ القمع طابعًا أكثر جرأة وفجاجة وعلنية، وتشير تقارير شهود العِيان إلى أنّ قادة عسكريين رفيعي المستوى ومسؤولين في المؤسسة العسكرية حضروا شخصيًا إلى الميدان في بعض المدن، وأطلقوا النار مباشرة على المواطنين.
ولقد استهدفت الجماهير في شعاراتها مجمل البنية السياسية، فيما مضت السلطة في مواجهتها إلى حدّ الاشتباك المفتوح وحرب الشوارع، كما أسفر هذا القرار عن مقتل عدد من عناصر القوات الأمنية.
الجمهورية الإسلامية: من الحرب الرقمية إلى القتل في الشوارع
أفادت التقارير الرسمية حتى السابع عشر من شهر دي (الأربعاء 7 يناير 2026م) بمقتل 35 شخصًا، وفي الوقت نفسه، طالب رئيس السلطة القضائية بالتعامل الحازم مع ما وصفه بـ”مثيري الشغب”، وهو المصطلح الذي يُستخدم في الخطاب السياسي الرسمي للإشارة إلى المعارضين.
وفي هذا السياق، أُخضِع الإنترنت لاضطرابات مُهندسة، أعقبها قطعٌ كامل، ما أدخل إيران في حالة من العتمة الرقمية، وانقطعت الاتصالات الهاتفية الداخلية في ساعات من اليوم، بل أصبح الاتصال بالخارج مستحيلًا.
على الرغم من الاعتقاد السائد في البداية بأن الخسائر الاقتصادية الجسيمة ستمنع السلطات من الإقدام على قطع شامل للاتصالات، فإن هذا القرار نُفِّذ مع ازدياد حدّة التوتر.
وفي ظل الصمت الإعلامي الناجم عن هذا الانقطاع، نفّذت أجهزة القمع خلال يومي 18 و19 دي (الخميس والجمعة 8 و9 يناير 2026م) واحدة من أكثر المجازر المعاصرة صدمةً للمجتمع الإيراني.
وبالتزامن مع دعوة أطلقها رضا بهلوي، ولي عهد إيران السابق، شهدت شوارع طهران وعشرات المدن الأخرى حضورًا مفاجئًا وواسعًا للمواطنين إعلانًا للتضامن ضد الجمهورية الإسلامية.
وتشير ملاحظاتي الشخصية إلى استقبال ملحوظ من قبل قطاعات من المجتمع لفكرة عودة رضا بهلوي إلى إيران.
ويُرجَّح أن هذا العامل قد أتاح لأجهزة القمع هامشًا أوسع في تشديد التعامل العنيف مع المحتجين، إلى حدّ أن مجموعة من التقارير الرسمية وغير الرسمية قدّرت عدد القتلى بما يصل إلى عشرين ألف شخص.
وعلى الرغم من أنّ المنظمات الحقوقية لم تؤكّد حتى الآن سوى رقم يقارب خمسة آلاف قتيل، فإنها تشدّد على أنّ العدد الحقيقي قد يرتفع إلى عشرات الآلاف.
وبالرغم من دعوة كثير من المراقبين الخارجيين إلى انتظار تقارير رسمية ومؤكَّدة، فإن التجارب السابقة تُظهر أنّ السلطة، في كل مرة تُقدِم فيها عمدًا على قطع تواصل المواطنين مع العالم الخارجي، ترتكب أعمال عنف كارثية.
الانسداد السياسي: تدخل خارجي.. نعم أم لا؟!
في مستهلّ عمليات القمع في إيران، ومع القطع الكامل للإنترنت، لوّح الرئيس ترامب، في إشارة إلى التطورات الداخلية الإيرانية، بتهديد الجمهورية الإسلامية بالانتقام في حال استمرار قتل المواطنين.
وقد عزّز تكرار هذا الموقف التكهنات بشأن احتمال تدخل الولايات المتحدة، بل وحتى إسرائيل، والحقيقة أنّه في الوقت الذي يرفض فيه بعضهم بشدة أي تأثير للتدخل الخارجي، مستشهدين بتجارب العراق وليبيا وأفغانستان، يرى كثيرون، على العكس، أنّ الضربة الخارجية قد تُسرّع من وتيرة سقوط الجمهورية الإسلامية.
ويستند هذا الرأي على:
أولًا: أنّ السياقات والتجارب التاريخية والثقافية والاجتماعية للاحتجاجات في إيران تختلف جذريًا عن تلك البلدان، وأنّ انهيارًا مماثلًا لن يتكرّر في المجتمع الإيراني.
وثانيًا: أن التدخل الخارجي لا يعني بالضرورة وجودًا عسكريًا مباشرًا على الأراضي الإيرانية، بل يُتوقّع أن يقتصر على استهدافات محددة سلفًا، مثل المراكز العسكرية والحكومية والإعلامية ومناطق تمركز القوات وأدوات القمع، بما يسلب السلطة قدرتها على الاستمرار في الوضع الراهن، ويفتح الطريق أمام اتساع رقعة الاحتجاجات، وما يترتب على ذلك من تحولات لاحقة.
ويرى أنصار هذا الطرح، وهم كُثُر، أنّ حجم العنف الممارس ضد المحتجين وجرأة السلطة في القمع والقتل يثيران الخشية من خفوت جذوة الاحتجاج، بما يسمح للجمهورية الإسلامية بأن تستعيد أنفاسها في ظل التهديد والترهيب والقمع المضاعف، وأن تجد فرصة لإعادة بناء قدراتها المفقودة.
لقد تكرّر هذا السيناريو، مع اختلافات طفيفة في التفاصيل، في الاحتجاجات التي شهدتها إيران منذ عقد التسعينيات الميلادية (من قمع أحداث سكن جامعة طهران في يوليو 1999 إلى حركة “جينا – مهسا أميني” في سبتمبر 2022).
يرى كثيرون أنّ هذه المرحلة من الاحتجاجات تختلف جوهريًا عن سابقاتها، إلى حدّ أنهم يعتقدون أنّ تدخّلًا موجّهًا من الولايات المتحدة، وربما إسرائيل، قد يدفع الجمهورية الإسلامية إلى تجاوز “نقطة اللا عودة”، بحيث لا تعود قادرة على استعادة قواها مجددًا.
ومع ذلك، ترى كاتبة هذه السطور أنّ السلطة، بقتلها آلاف المواطنين وإصابتها عشرات الآلاف من المحتجين، قد تجاوزت بالفعل الخط الأحمر، وأن المجتمع الإيراني ومستوى النضال السياسي والمدني لن يعودا أبدًا إلى ما كانا عليه قبل شهر دي (ديسمبر 2025م)، فثمة بحر من الدماء والتوحّش والكراهية اليوم تفصل بين الشعب وبين النظام.
إيران الجديدة ومرحلة الانتقال
من أبرز نقاط القوة في المجتمع الإيراني المتعدّد عبر تاريخه الممتد لآلاف السنين التزامُ هذا التنوّع بالوحدة، وتكفي مراجعة سريعة لمحطات الصعود والهبوط في التاريخ الإيراني لإبراز هذه الحقيقة المحورية: “الوحدة في التعدد، والتعدد في الوحدة”، فلم يطالب المجتمع الإيراني، في أي منعطف تاريخي، بالتفكك.
ومن الطبيعي أنّ الجماعات القومية والدينية، تبعًا لطبيعة الحكومات وأنماط إدارتها في فترات مختلفة، طالبت بحقوقها، غير أنّ الانفصال عن التراب الإيراني لم يُطرح قطّ في نظر هذه الجماعات بوصفه حلًا نهائيًا.
ولقد كانت إيران التاريخية دائمًا حاضنة للتنوّع والتعدّد، واعتبرت جميع القوميات والأقليات أبناءً أعزّاء، باستثناء بعض المناورات والسياسات العابرة التي صدرت أحيانًا عن أطراف خارجية.
وعليه، فإن أي تغيير محتمل في النظام السياسي الإيراني سيضع هذه الحقيقة في صميم الاعتبار، سواء لدى قادة المرحلة الانتقالية أو لدى حكّام النظام السياسي المستقبلي.
ويؤكد رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الذي يرى كثيرون أنه يؤدي اليوم دورًا محوريًا في قيادة الحركة الجديدة ومرحلة الانتقال، أنّ الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية يأتي في صدارة أولوياته، ويعدّ أي مساس بهذه الوحدة التاريخية أمرًا مرفوضًا ومدانًا.
يُسهم هذا الموقف، إلى جانب عوامل أخرى مثل شعبيته النسبية، ونشاطه الخارجي في لفت الانتباه الدولي إلى ما يجري في إيران، وغياب الانسجام بين بقية أطراف المعارضة، في ترسيخ موقعه بوصفه قائدًا أو مسؤولًا عن إدارة إيران في المرحلة الانتقالية.
ومع ذلك، ترى كاتبة هذه المقالة أنّه، حتى مع افتراض سقوط الجمهورية الإسلامية، يبقى من الصعب للغاية التكهن بطبيعة النظام السياسي الذي سيخلفها، وبمسألة عودة الملكية من عدمها، إذ إن المجتمع الإيراني، في ضوء تجارب العقود الخمسة الأخيرة، سيكون شديد الحذر والدقة في اختيار النظام المقبل.
إضافة إلى ذلك، وفي ظل الأزمة العميقة التي يعيشها الإيرانيون اليوم، وما يكتنف المشهد من مخاوف وآمال متضاربة بشأن سقوط الجمهورية الإسلامية أو بقائها، ينبغي التعامل مع أي استشراف للمستقبل بأقصى درجات التحفّظ.
ـــــــــــــــــــــ
(*) تنويه ضروري:
الصورة المرفقة مع المقالة نشرتها وكالات الأنباء العالمية من وقفات نظمتها المعارضة الإيرانية في أوروبا، والصورة ليست من إيران، لذا لزم التنويه.