يثير النظام السياسي في إيران إشكالية تحليلية معقدة تتعلق بطبيعة توزيع السلطة داخله، وحدود العلاقة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، فبين النصوص الدستورية التي تقر بتعدد السلطات، والممارسة السياسية التي تكشف عن مركزية القرار، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية تدار بنظام مؤسسي، أم وفق نمط حكم يتمركز فيه القرار في يد شخص واحد؟!
كيف يعمل النظام السياسي الإيراني دستوريًا؟
من حيث المبدأ الدستوري، لا ينص الدستور الإيراني على فصل مستقل للسلطات، بل يؤكد خضوع السلطات الثلاث – التشريعية والتنفيذية والقضائية – لإشراف المرشد الأعلى، وإن مارست اختصاصاتها بشكل منفصل اسميًا (دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المادة 57). ويؤكد هذا النص أن بنية النظام هرمية تجعل المرشد فوق المؤسسات لا ضمنها.
يتجلى هذا التداخل بوضوح في عملية التشريع فالبرلمان يمتلك حق سن القوانين، غير أن هذه القوانين لا تصبح نافذة إلا بعد مراجعة مجلس صيانة الدستور، الذي يتولى فحصها من حيث التوافق مع الشريعة الإسلامية والدستور (المادتان 91 و94) ويملك المجلس صلاحية رفض أي قانون يرى عدم توافقه مع هذين المعيارين.
وفي حال استمرار الخلاف بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، يحال النزاع إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام (المادة 112)، وهو هيئة يتم تعيين أعضاؤها من قبل المرشد وعليه، فإن كبح التشريع البرلماني ليس خللًا عارضًا، بل آلية دستورية مقصودة تحد من استقلال المؤسسة المنتخبة وتبقي القرار النهائي ضمن دائرة المرشد.
مجلس خبراء القيادة وحدود الرقابة داخل النظام الإيراني
ينص الدستور الإيراني على أن مجلس خبراء القيادة هو الجهة المسؤولة عن اختيار المرشد الأعلى الذي تتوفر فيه شروط القيادة ومراقبة دوره وقراراته، بل وعزله إذا لم يقم المرشد بدوره كما يجب (المادتان 107 و111) من حيث النص، يبدو المجلس وكأنه يمارس أعلى درجات الرقابة على رأس النظام.
إلا أن البنية الدستورية ذاتها تفرغ هذه الرقابة من مضمونها العملي، فأعضاء مجلس خبراء القيادة يخضعون لآلية إشراف مجلس صيانة الدستور على الانتخابات، بهدف التحقق من أهلية المرشحين (المادة 99) وبما أن مجلس صيانة الدستور يتم تعين نصف أعضائه مباشرة من المرشد والنصف الآخر عبر مسار يمر بمؤسسات خاضعة للمرشد نفسه، فإن عملية الرقابة تصبح مغلقة ذاتيًا.
في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تضارب مؤسسي حقيقي بين مجلس خبراء القيادة وبقية مؤسسات النظام، بل عن نمط من التكامل الوظيفي داخل نظام رقابة مغلق. فعلى الرغم من الصلاحيات الواسعة التي أعطاها الدستور للمجلس، فإنه يقيد هذه الصلاحيات عبر آليات اختيار الأعضاء والإشراف على الانتخابات بما يضمن انسجام المجلس مع السياسة العامة للنظام، وهكذا، تتحول الرقابة من أداة مساءلة فعلية إلى إجراء شكلي يهدف إلى تثبيت الاستقرار السياسي ويمنع وجود مركز رقابة مستقل قادر على تحدي موقع المرشد.
إدارة حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل كاختبار للنظام
يقول الدستور الإيراني إن المرشد الأعلى هو القائد العام للقوات المسلحة وصاحب القرار النهائي في شؤون الحرب والسلم (المادة 110) وفي أوقات السلم يدار هذا التركيز السلطوي عبر توازنات غير مكتوبة بين المؤسسات، لكن في زمن الحرب يتحول التداخل إلى خلل بنيوي.
في خلال حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل، تجنب المرشد الظهور المباشر بسبب خوفه من الاغتيال، وبما أن المرشد هو من يمتلك الصلاحيات الدستورية الكاملة لإدارة الحرب، فإن هذا الغياب النسبي خلق فراغًا ملحوظًا في لحظات حاسمة ما سمح للحرس الثوري بالتصرف بوصفه الفاعل الرئيسي في الرد العسكري والتصعيد الإعلامي.
وتكشف هذه المعطيات أن الازدواج الأمني الذي يقره الدستور عبر تعدد القوى المسلحة تحت قيادة المرشد لم يصمم لإدارة حرب حديثة وسريعة بل لضمان بقاء النظام، فقد أدى غياب المرشد لخلل في قيادة عملياتية موحدة وتسلسل أوامر واضح وتحولت إدارة الحرب إلى سلسلة ردود فعل افتقرت إلى التنسيق والسرعة، وعليه فإنه عندما تطلبت الحرب قرارًا موحدًا وزمن استجابة قصير عجز النظام، وكان هدفه الوحيد هو تحييد المخاطر التي تهدد بقاءه.
خاتمة
يظهر التحليل الدستوري أن النظام الإيراني ليس نظام مؤسسات مستقلة، بل نظام توازنات غير ديمقراطية قائمة على تداخل الصلاحيات وغموض الاختصاصات مع تحكيم المرشد في النهاية، فقد كشفت حرب الـ12 يومًا أن غياب المرشد عن الإدارة المباشرة للأزمة أدى إلى خلل حاد في صنع القرار، وأكدت أن دور الرئيس يظل هامشيًا، فالقاعدة في إيران أن أي قرار مصيري لا يحسم خارج مكتب المرشد، أو ما يعرف بـ”بيت القيادة” في تلك البلاد.