في وقت باكر من صباح الثلاثاء 7 إبريل 2026م، بالتوقيت المحلي للعاصمة واشنطن، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “أن إيران كحضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدا، ولا أريد أن يحدث ذلك لكنه على الأرجح سيحدث”. وفي صباح الأحد 5 إبريل 2026 بالتوقيت نفسه، كتب ترامب أن إيران تبقى لديها 48 ساعة من المهلة التي حددها لها لإبرام اتفاق يضع حدا للحرب المتواصلة منذ 28 فبراير 2026م، محذرا من أنها ستواجه “الجحيم” إن لم يحصل ذلك، وكتب ترامب على منصته تروث سوشال: “سيكون يوم الثلاثاء 6 إبريل 2026م، يوم محطات الكهرباء ويوم الجسور، كل ذلك في يوم واحد، في إيران، ولن يكون هناك يوم مثله.. افتحوا المضيق، أيها المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم، انتظروا وراقبوا”.
ولأن ترامب كرر مثل هذه العبارات كثيرا “التدمير” و”الجحيم” فإن ذلك مدعاة لفهم نزعة التدمير لدى عقلية الرئيس الأمريكي الذي قرر كسر القاعدة التاريخية ومهاجمة إيران بالاشتراك مع إسرائيل للمرة الأولى في تاريخ دولة الاحتلال وللمرة الأولى في تاريخ النظام الإيراني الراهن الحاكم منذ 1979م.
وإذا أردنا أن نفهم نزعة التدمير لدى ترامب يمكن أن نعود إلى خطابه الذي استمر عشرين دقيقة وألقاه من داخل قاعة كروس بالبيت الأبيض، مساء الأربعاء 1 إبريل 2026م، بتوقيت واشنطن، فجر الخميس 2 إبريل 2026م، بتوقيت الشرق الأوسط، إذ قدم رؤيته حول “السلام” ونزعته نحو “تحرر الحضارة البشرية”، بأن تعهد بـ”تدمير” إيران وإعادتها “إلى العصر الحجري”، ما فهم منه أنه لا يستهدف النظام السياسي الإيراني، ولكن يستهدف إيران في حد ذاتها، بحيث يريد إخراجها من التاريخ باستخدام القوة العسكرية المفرطة، لا سيما مع أنباء عن توجه حاملة الطائرات يو إس إس جورج إتش دبليو بوش، وهي الثالثة من نوعها، إلى منطقة العمليات في الإقليم.
فمن استمع إلى خطاب ترامب بشأن إيران يرى نموذجا واضحا لنزعة التدمير والإبادة الحضارية التي تمثلها إدارته في السياسة الأمريكية المعاصرة، إذ ظهر الرئيس الأمريكي كممثل لتيار أيديولوجي متطرف داخل النظام الرأسمالي الأمريكي، المعروف بالمحافظين الجدد المسيحيين – الصهيونيين، الذين يمتلكون جناحا راديكاليا تحت اسم MAGA، وهو تيار يؤمن باستخدام القوة المطلقة كأداة لتغيير الواقع السياسي والحضاري للأعداء.
كما أن اللغة التي يستخدمها ترامب في خطاباته، عموما، وفي خطاب مساء الأربعاء على وجه الخصوص، مثل “التدمير” و”الجحيم” و”إعادة إيران إلى العصر الحجري”، ليست مجرد استعارات لغوية عادية بقدر ما هي أدوات رمزية تعكس رؤية شمولية للعالم، حيث تصبح الهيمنة العسكرية والسياسية نهاية في حد ذاتها، وليس مجرد وسيلة لتحقيق أهداف محددة.
ويمكن النظر إلى خطاب ترامب ضمن نظرية فيلسوف ألمانيا الشهير فالتر بنيامين Walter Benjamin (1892 ـ 1940م) عن “سمة التدمير”، إذ يشير بنيامين في طرحه حول التاريخ والتدمير (The history and destructive character) إلى أن التدمير لا يسعى لمعرفة ما سيحل محل ما دمر، وأنه عمل لا يحتاج إلى إبداع أو بناء، بل خلق فراغ مؤقت يفرض واقعا جديدا.
طبعا يمكن لقارئ مثل هذه السطور أن ــ يشك في بل أن ــ يوقن أن ترامب لم يقرأ مثل هذا الكلام ولا يعرف من هو أصلا فالتر بنيامين برغم أنه أكثر فلاسفة اليهود الألمان شهرة وذيوعا في الفكر الغربي بالقرن العشرين، لكن على كل حال وفي سياق ترامب، يتجلى هذا المبدأ بشكل صارخ، إذ إن حملاته الجوية ضد المدن الإيرانية وتهديد المنشآت الحيوية لا تهدف إلى إعادة البناء أو تحسين الظروف، بل تهدف إلى خلق فراغ حضاري وسياسي يمكن للولايات المتحدة من خلاله فرض الهيمنة المطلقة.
ومعنى ما سبق أن التدمير في خطاب ترامب ليس مجرد أداة سياسية بل هو فلسفة أيديولوجية، تصوغ العلاقات الدولية على أساس القمع والهيمنة، وتستبعد أي اعتبار للآخر كفاعل حضاري مستقل، وهو رأي أجمع عليه مفكرو إيران الآن على اختلاف أيديولوجياتهم ونزعاتهم ومنهم سيد جواد ميري وأحمد زيد آبادي وهما يمثلان تياران متناقضان داخل الفكر الإيراني المعاصر، غير أن ترامب بنزعته التدميرية وحد الداخل الإيراني نحو مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية كما يتبدى لكل ذي عينين منصفتين.
والحقيقة أن خطاب ترامب أماط اللثام عن تناقضات واضحة بين أقاويله حول السلام وبين ممارساته وتهديداته لأنه تعهد بضرب البنى التحتية ومنشآت الطاقة أخذا في الاعتبار أنها مقدرات تخص الأمة الإيرانية ولا علاقة لها بمعاقبة النظام السياسي أو تقويض دعائمه، ما يعكس أن جوهر خطاب ترامب ليس تبرير الحرب بمعايير المنطق الإنساني المتعلق بالصراع والرغبة في السيطرة على الآخر، بقدر ما عرض قدرة إدارته الجمهورية على تحويل إيران إلى فراغ حضاري، بما يشبه إعادة كتابة تاريخها وحضارتها بالقوة العسكرية.
هذا التناقض بين اللغة والواقع يظهر أن التدمير هنا ليس وسيلة، ولكنه غاية في حد ذاته، كما تؤكد تصريحاته بأن الولايات المتحدة ستعيد إيران “إلى العصر الحجري”، ما يضع الأبعاد العسكرية والسياسية في خدمة رسالة حضارية ــ أو بالأحرى غير حضارية ــ رمزية أوسع من مجرد العمل العسكري الذي هو في الأساس إحدى الوسائل لتحقيق غرض سياسي بحت.
ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يمثل خطاب ترامب نموذجا صارخا للسياسة القائمة على القوة القاسية، حيث تتجاوز الحرب أهداف الضغط التقليدية لتصبح عملية إبادة حضارية رمزية، تهدف إلى محو أي قدرة سياسية أو اقتصادية أو حضارية لدى الطرف الآخر.
ولعل هذا النهج يعكس رؤية “ماجا” للعالم على أساس صراع حضارات، مع عدم الأخذ في الحسبان تأثر ماجا بنظرية صمويل هانتنجتون Samuel P. Huntington (1927 ـ 2008م) حيث ترى تلك الحركة المتطرفة أن الولايات المتحدة، هي القوة المركزية الوحيدة، والآخرون، وفي هذه الحالة إيران، حضارات يجب إخضاعها أو محوها.
وترامب هنا يدرك أن سيطرة إيران الحالية على مضيق هرمز، وتهديده باستهداف المنشآت النفطية والكهربائية وبالتالي تعريض المنطقة إلى خطر الرد الإيراني المماثل، سيمتد جبريا لتشكيل ضغط اقتصادي وإستراتيجي عالمي، يضع الأسواق الدولية والحلفاء الأوروبيين في موقف التبعية والخضوع لإرادة الولايات المتحدة.
ويبرز هذا النهج بصورة أوضح عند ربط خطاب ترامب مع التحليل السياسي الداخلي للأزمة، إذ إن حربه ضد إيران لم تحقق سوى تراجع ثقة الشعب الأمريكي في قيادته، بما يعكس مأزقا سياسيا وإستراتيجيا صنعه بنفسه.
هنا تكفي الإشارة إلى ما كتبه محلل سي إن إن ستيفن كولينسون حول أن استطلاع رأي جديد أجرته شبكة CNN بالتعاون مع مؤسسة SSRS، يوم الأربعاء، قبل خطاب ترامب، أظهر أن نسبة تأييده بلغت 35 بالمئة ويؤيد 34 بالمئة فقط من الأمريكيين قرار التدخل العسكري في إيران، بينما يعارض نحو 68 بالمئة إرسال قوات برية إلى إيران، وهي خطوة لم يتخذها ترامب بعد، لكنه لم يستبعدها، في خطابه إلى الأمة الأمريكية مساء الأربعاء.
إذن يجعل التناقض بين أقاويل ترامب حول التهديد النووي الإيراني وبين عدم تقديم أي دليل ملموس، إضافة إلى غياب إستراتيجية خروج واضحة من الحرب، النزعة التدميرية مركزية في سياسات هذا الرجل خاصة أن الحرب تمارس كأداة لإثبات القوة والسيطرة، وليس لحل الصراع أو تحقيق استقرار إقليمي.
وفي هذا الإطار، يصبح التدمير، بمعناه السياسي والحضاري، رسالة موجهة داخليا وخارجيا، ومفادها أن القوة الأمريكية لا تعرف الحدود، وأي معارضة ستكون محكومة بالفناء الحضاري الرمزي والمادي.
ملخص ما أعلاه أن التدمير في لغة ترامب وفي قناعاته الشخصية ليس مجرد وسيلة لإجبار النظام الإيراني على التفاوض، لكنه غاية أيديولوجية قائمة على محو القدرة السياسية والاقتصادية والحضارية للطرف المنافس، وهو ما يجعل خطاب ترامب مثالا حيا على الإبادة الحضارية الرمزية، عندما تتحول الحرب إلى أداة لفرض الهيمنة الأمريكية المطلقة على المستوى الإقليمي والعالمي، في سياق رؤية ماجا الشمولية للعالم وللسياسة الدولية.