تتجلى الفجوة المتنامية بين الدولة والشباب في إيران بوضوح في مجال السياسات الثقافية والفنية، ولا سيما ما يتصل بالرقابة على الإنتاج الفني، وآليات الترخيص، وطبيعة التعامل مع المنصات الرقمية.
وقد أعادت الأحداث الأخيرة، المرتبطة باعتقال عدد من الفنانين الشبان أو إجبارهم على تقديم اعترافات مصوّرة تتضمن إظهار الندم، تسليط الضوء على حدود المقاربة الأمنية ـ الرقابية في إدارة التعبير الثقافي، ومدى قدرتها على احتواء التحولات الاجتماعية داخل المجتمع الإيراني.
والواقع أن مثل هذه الفجوة لا يمكن اختزالها في بعدها الثقافي أو الفني فحسب، بل تعكس في جوهرها أزمة أعمق تتعلق بأنماط الحوكمة الثقافية، واعتماد الدولة على سياسات ترخيص تقليدية تمنح الشرعية فقط للأصوات المحايدة أو المتماهية مع الخطاب الرسمي، مقابل تهميش أو تجريم أشكال التعبير التي تحمل طابعًا نقديًا أو احتجاجيًا، حتى وإن ظلت ضمن الأطر الأخلاقية والدينية العامة.
الراب بوصفه أداة قراءة اجتماعية
يكتسب الجدل الدائر حول موسيقى الراب دلالة تتجاوز البعد الفني، فقد أشارت صحيفة “رسالت” الإيرانية إلى أن الراب لم يعد مجرد لون موسيقي، بل تحول إلى وسيلة تعبير عن هموم شريحة واسعة من الشباب، وفضاء يعكس رؤيتهم للواقع الاجتماعي والسياسي في البلاد.
ترى الصحيفة الأصولية أن سياسات الترخيص التي تسمح فقط بظهور “الرابر المحايد” تفرغ هذا الفن من مضمونه النقدي، وتفقده قدرته على أداء دوره الاجتماعي.
ومن منظور تحليلي، يعكس هذا الجدل فشل الدولة في التعامل مع الراب بوصفه مؤشرًا اجتماعيًا مبكرًا، يمكن من خلاله فهم اتجاهات الرأي العام الشبابي، بدل النظر إليه كتهديد ثقافي أو أمني، إذ إن رفض الاستماع الجاد إلى هذه التعبيرات يحرم صانع القرار من أداة مهمة لقراءة التحولات داخل المجتمع، ويعمّق الشعور بالاغتراب بين الشباب ومؤسسات الدولة.
المنصات الرقمية بين الداخل والخارج
تتضح إشكالية الرقابة أيضًا في التمييز بين المنصات الرقمية المحلية والأجنبية، فالمنصات الإيرانية الرسمية، مثل “أبارات” و“فيلمو” و“نماوا”، تعمل ضمن أطر رقابية صارمة، حيث يخضع المحتوى لمراجعة مسبقة دقيقة، ما يعزز لدى شريحة واسعة من الشباب شعورًا بأن أصواتهم محجوبة داخل الفضاء الوطني.
في المقابل، تتيح المنصات الأجنبية، مثل “يوتيوب” و“ساوند كلاود”، هامشًا أوسع من الحرية، لكنها تظل فضاءات خارجية منفصلة عن المجال العام الإيراني، وهو ما يحول التعبير الثقافي من أداة حوار داخلي إلى خطاب موجّه إلى الخارج، بما يحمله ذلك من تبعات سياسية واجتماعية.
وتشكل الاعتقالات الأخيرة لبعض الفنانين الشباب، وإجبارهم على تقديم اعترافات علنية، وحذف أعمالهم من المنصات الرسمية، مؤشرًا واضحًا على محدودية فاعلية المقاربة التقليدية للرقابة.
فبدلا من احتواء الظاهرة أو توجيهها، أسهمت هذه الإجراءات في تعميق شعور العزلة، وتعزيز القناعة لدى الشباب بأن التعبير المشروع داخل البلاد بات شبه مستحيل.
البعد الشرعي والقانوني للرقابة الثقافية
من زاوية فقهية، لا يبدو أن الإشكال يكمن في الفن أو الموسيقى بحد ذاتهما، بقدر ما يرتبط بكيفية إدارة المجال العام.
فالتحليل الشرعي، سواء في المنظور السني أو الشيعي، يميز بوضوح بين الفن المباح الذي يعالج قضايا المجتمع أو يخدم أغراضًا تربوية وإنسانية، وبين الفن المرتبط بالفساد الأخلاقي أو السلوكيات المحرمة.
وعليه، فإن غالبية أشكال التعبير الفني ذات الطابع الاجتماعي أو النقدي لا تتعارض من حيث المبدأ مع الضوابط الشرعية، ما دام مضمونها لا يخرق القيم الدينية والأخلاقية العامة.
التحديات وخيارات السياسة العامة
تواجه الدولة الإيرانية تحديًا مركزيًا يتمثل في إيجاد توازن فعّال بين حماية القيم الدينية والاجتماعية، وبين تمكين الشباب من التعبير عن رؤاهم ومخاوفهم ضمن أطر قانونية واضحة.
لا يؤدي إغلاق قنوات الحوار الداخلي إلى ضبط المجال الثقافي، بل يدفع الأصوات الناقدة إما إلى الصمت أو إلى البحث عن منصات خارجية، بما يضعف التماسك الاجتماعي على المدى الطويل.
إن فتح مساحات محسوبة للنقد الاجتماعي، واستيعاب الفكر الجديد، يمكن أن يحوّل التعبير الثقافي من مصدر توتر إلى أداة إصلاح، ويسهم في تعزيز السلام الاجتماعي وتقوية النسيج المجتمعي، بدل تعميق فجوة الثقة بين الدولة والأجيال الشابة.
خاتمة
تعكس الفجوة بين الدولة والشباب في إيران أزمة في سياسات الترخيص والرقابة أكثر مما تعكس أزمة قيم أو أخلاق، وتؤكد التطورات الأخيرة أن الاعتماد المفرط على القوانين الصارمة والإجراءات العقابية لا يحقق الأمن الثقافي أو الاجتماعي، بل يعزز النزعة نحو التعبير الخارجي.
ويشير الجمع بين التحليل الشرعي وواقع المنصات الرقمية إلى أن تمكين النقد الاجتماعي المنضبط، ضمن حدود القانون والشرع، يمثل أحد المسارات الأكثر واقعية لضمان استقرار داخلي مستدام وسماع أصوات الشباب داخل الفضاء الوطني.