في الأنظمة السياسية ذات الطابع الأيديولوجي – الثوري، تعد الرموز أدوات حكم ورسائل سياسية قائمة بذاتها، بقدر ما هي مجرد تفاصيل بروتوكولية، ومن هذا المنطلق، فإن عدم صعود المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، إلى منبر صلاة الجمعة يوم 9 يناير 2026م، واكتفائه بإلقاء خطاب من داخل قاعة مغلقة ومحصنة أمنيًا، لا يمكن التعامل معه كحدث عرضي أو إجراء تنظيمي عابر، ولكن كإشارة سياسية ذات دلالة عميقة تستحق التوقف عندها.
فالمنبر في التجربة الإيرانية ليس مجرد منصة دينية، بل فضاء رمزي تتقاطع فيه الشرعية الثورية مع التعبئة الجماهيرية وإظهار الثقة والسيطرة، ومن ثم، فإن اختيار القاعة المغلقة يعكس إدراكًا رسميًا لحساسية اللحظة، وربما تقديرًا بأن المخاطرة الرمزية باتت لا تقل خطورة عن المخاطرة الأمنية.
اقرأ أيضا:
ولقد جاء خطاب المرشد منسجمًا مع البناء التقليدي للخطاب الرسمي في أوقات الأزمات، حيث أكد مجددًا على ثبات مواقف بلاده المناهضة للولايات المتحدة، وحمّل أمريكا وإسرائيل مسؤولية أعمال التخريب التي جرت في البلاد بالأيام الأخيرة وخاصة يوم الخميس 8 يناير 2025.
مع التشديد على أن ما يحدث لا يخدم سوى أجندات معادية، يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي الوقت نفسه، حرص الخطاب على التمييز بين “الاحتجاج” بوصفه أمرًا مشروعًا يمكن الاستماع إليه، وبين “الشغب” الذي لا جدوى من الحوار مع من يمارسه.
ولعل هذه الإثنينية الخطابية ليست جديدة في التجربة الإيرانية، لكنها تكتسب في السياق الراهن معنى أعمق، إذ تعكس محاولة الجمع بين الاحتواء السياسي المحدود والتمسك الصارم بالردع الأمني.
وعلى المنوال ذاته، جاء خطاب المجلس الأعلى للأمن القومي، ظهر الجمعة 9 يناير 2026م، الذي اعتبر أن الأحداث الأخيرة تحولت إلى مسرح لانعدام الأمن بتوجيه من “العدو الصهيوني”، وأن إسرائيل، منذ ما اصطلح على تسميته بحرب الأيام الاثني عشر، لم تتخلَّ عن رغبتها في استهداف الشعب الإيراني عبر ما وصفه بـ“المعارك المركبة”.
ويندرج هذا التوصيف بطبيعة الحال ضمن إستراتيجية مألوفة في الخطاب الرسمي الإيراني تقوم على إعادة تأطير الأزمات الداخلية باعتبارها امتدادًا لصراع خارجي، غير أن فعالية هذه الإستراتيجية، التي نجحت في محطات تاريخية سابقة، تبدو اليوم موضع اختبار حقيقي في ظل إنهاك اجتماعي واقتصادي طويل الأمد، سرعت من وتيره أزمات شح المياه وتفاقم العقوبات الدولية الموحدة منذ نوفمبر 2025م.
اقرأ أيضا:
لكن ما هو من كل ذلك أن اندلاع الاحتجاجات الأخيرة من قلب بازار طهران الكبير يحمل دلالة خاصة، تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، فالبازار، تاريخيًا، لا يُعد مجرد سوق، بل يمثل أحد الأعمدة التقليدية للتوازن السياسي والاجتماعي في إيران الحديثة، وواحدًا من أكثر القطاعات محافظة وارتباطًا بالنظام.
وعليه، فإن خروج الاحتجاج من هذا الفضاء تحديدًا يشير إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في الأطراف أو في الفئات الاجتماعية المهمشة، بل وصلت إلى القلب الصلب للاقتصاد التقليدي، واستمرارها لأيام طويلة يعكس عمق المأزق الذي يواجهه النظام في إدارة تداعياتها.
وحتى صباح الثامن من يناير 2026م، كان من الممكن تبني مقاربة تحليلية تقوم على الصبر والترقب، انطلاقًا من قراءة سلوك الدولة لا من متابعة ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
إذ إن عدم نشر الحرس الثوري في البداية، وعدم قطع الإنترنت بشكل كامل، كانا يوحيان بأن تقدير النظام للموقف يقوم على أن الاحتجاجات ما زالت في نطاق يمكن احتواؤه بأدوات محدودة.
غير أن التحول المفاجئ مساء ذلك اليوم، والمتمثل في صعوبة التواصل مع الداخل الإيراني وتعذر الوصول إلى مواقع إخبارية محلية، شكّل نقطة انعطاف واضحة، عكست انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر حساسية.
وفي ظل هذا الانقطاع، باتت مصادر المعلومات المتاحة محدودة، ومحصورة في مواقع التواصل الاجتماعي التي يستخدم بعض روادها الإنترنت الفضائي، إلى جانب وسائل إعلام غربية معروفة بمواقفها المناهضة للنظام الإيراني.
ويضع هذا الواقع أي تحليل جاد أمام معضلة حقيقية تتمثل في شح المعلومات الدقيقة مقابل وفرة السرديات المتضاربة، حيث لا يمكن إنكار وجود تضخيم إعلامي خارجي، لكن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته حقيقة الغضب الاجتماعي الكامن داخل المجتمع الإيراني.
وليس من ناقلة القول التأكيد على أن هذه التطورات الداخلية تتزامن مع بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، لا سيما في ظل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وما حمله ذلك من اختلافات جوهرية مقارنة بإدارة باراك أوباما.
اقرأ أيضا:
فترامب لا يخفي إيمانه بالتدخل الصلب واستخدام أدوات الضغط القصوى، وهو ما ظهر في أكثر من ساحة دولية، غير أن التركيز المفرط على العامل الخارجي قد يؤدي إلى قراءة ناقصة، إذ إن التدخل الخارجي، وحده، لا يخلق الغضب من العدم، بل يستثمر في أزمات بنيوية متراكمة داخل المجتمع نفسه.
اقتصاديًا، يعيش المجتمع الإيراني حالة تمزق حقيقية بفعل طبقات العقوبات المركبة، التي طالت تفاصيل الحياة اليومية، من العملة الوطنية التي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، إلى تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، وصولًا إلى صعوبات الحصول على الدواء والغذاء، والواقع أن هذه الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى تجربة معيشة يومية قاسية دفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى حافة اليأس.
غير أن العقوبات وحدها لا تفسر حجم الغضب الشعبي، فقد ساهمت سياسات النظام نفسه، على مدى عقود، في تعميق آثار الأزمة، من خلال استشراء الفساد المحمي سياسيًا، وتغليب منطق الولاء على الكفاءة في شغل المناصب العليا، وإقصاء قطاعات اجتماعية ومذهبية واسعة من المشاركة الفعلية في إدارة الشأن العام، وبالرغم من وجود بعض الاستثناءات المحدودة في السنوات الأخيرة، فإنها بقيت ذات طابع رمزي أكثر منها تحولًا بنيويًا حقيقيًا.
في هذا السياق، برزت ظاهرة ما يُعرف في الأدبيات الإيرانية، ولا سيما الإصلاحية منها، بـ“تجار العقوبات”، وهي الفئات التي يُنظر إليها على أنها استفادت من الالتفاف على العقوبات وتحويل الأزمة إلى فرصة لتحقيق مكاسب شخصية هائلة.
وقد أسهمت قضايا فساد كبرى، مثل قضيتي “چاي دبش” و“بابك زنجاني”، في ترسيخ قناعة شعبية بأن الفساد لم يكن ليبلغ هذا الحجم لولا وجود غطاء سياسي أعلى، ما أدى إلى تآكل الثقة بين المجتمع وأجزاء معتبرة من السلطة.
ويمكن القول إن الاحتجاجات الراهنة تتميز بسمات غير تقليدية، أبرزها انتشارها في مدن صغيرة، وغياب قيادة موحدة تتحدث باسم المحتجين، وغموض المطالب في بعض الأحيان، إلى جانب الصمت النسبي لكثير من المشاهير والنخب الثقافية، ولعل هذه السمات لا تعكس بالضرورة ضعف الحركة الاحتجاجية، بقدر ما تعكس تعقيدًا اجتماعيًا يجعل من الصعب إخضاعها لتحليل تقليدي أو اختزالها في سبب واحد.
اقرأ أيضا:
وفي المقابل، تثير مشاهد العنف وإحراق الممتلكات وظهور ملثمين في بعض المقاطع المتداولة تساؤلات جدية حول الأطراف المستفيدة من عسكرة المشهد، فالتجربة الإيرانية تشير إلى أن انزلاق الاحتجاجات نحو العنف غالبًا ما يوفر مبررًا لتصعيد أمني واسع، وهو ما قد يخدم أطرافًا متعددة، داخلية وخارجية، على حساب المطالب الاجتماعية المشروعة، والتي أقر بها رأس النظام.
علماء الاجتماع الإيرانيون، وفي مقدمتهم سعيد معيد فر، يحذرون من أن تراجع الأمل الاجتماعي وتآكل الثقة بالمستقبل وضرب الانسجام المجتمعي عوامل ترفع احتمالات العنف، لا بوصفه خيارًا واعيًا، بل نتيجة طبيعية لانسداد الأفق وغياب قنوات التعبير السلمي، فالمجتمعات التي لا ترى طريقًا واضحًا للإصلاح قد تنزلق تدريجيًا نحو الصدام.
وفي المحصلة الأخيرة، من المهم التشديد على أنه لا يمكن فهم الاحتجاجات الإيرانية الراهنة باعتبارها موجة مطلبية عابرة، ولا كمؤامرة خارجية مكتملة الأركان، بل بوصفها نتاج تفاعل معقد بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع والضغوط الدولية، في لحظة دقيقة يمر بها النظام والمجتمع معًا.
اقرأ أيضا:
وكما هي الحال دائمًا في التجربة الإيرانية، يبقى الثابت الوحيد هو صعوبة التنبؤ بالمسارات النهائية، في ظل قابلية المشهد للتحول السريع، صعودًا أو احتواءً، تبعًا لطريقة إدارة السلطة للأزمة، وحدود صبر المجتمع، مع ميل تحليلي إلى أن النظام لا يزال يمتلك أدوات الاحتواء، وإن باتت كلفتها أعلى وهوامشها أضيق من أي وقت مضى.