شهدت إيران منذ يوم الأحد 27 ديسمبر 2025م، موجة احتجاجات واسعة النطاق، دخلت يومها الخامس يوم الجمعة 2 يناير 2026، واتسع نطاقها ليشمل نحو 26 محافظة من أصل 31، في واحدة من أوسع دوائر الاحتجاج الجغرافي منذ احتجاجات عامي 2017–2018م، اللافت في هذه الموجة أنها اندلعت من داخل بازار العاصمة طهران، قبل أن تمتد سريعًا إلى مدن كبرى ومتوسطة، من بينها مشهد، وكرمانشاه، وقم، وأراك، ومرودشت، ونهاوند، وإسلامآباد غرب، وغيرها.
فهذه الاحتجاجات، التي جاءت في سياق اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، سرعان ما انتقلت من كونها شأنا داخليا إيرانيا إلى ملف قابل للتدويل، عقب تصريحات مثيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعاد فيها إنتاج خطاب “الحماية” الأمريكي التقليدي تجاه الاحتجاجات في دول الخصوم.
أولا: البعد الاقتصادي والاجتماعي للاحتجاجات
لا يمكن فهم هذه الموجة الاحتجاجية بمعزل عن الانهيار التاريخي للعملة الإيرانية، إذ تزامن اندلاعها مع وصول سعر صرف الدولار إلى نحو مليون و450 ألف ريال إيراني، وهو مستوى غير مسبوق يعكس عمق الأزمة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الأمريكية والدولية، واختناقات الاقتصاد الريعي، وتآكل القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والدنيا، جنبا إلى جنب مع إخفاق محافظ البنك المركزي الإيراني محمد رضا فرزين عن التعامل مع تلك المعضلة خاصة في أعقاب دخول العقوبات الأممية على إيران حيز التنفيذ في نوفمبر 2025م.
اللافت أن يوم 27 ديسمبر 2025م، الذي شهد اندلاع هذه الاحتجاجات، هو ذاته اليوم الذي اندلعت فيه احتجاجات عام 2017، ما يضفي على التوقيت بعدًا رمزيًا في الوعي السياسي الإيراني، ويغذي داخل دوائر النظام، وكذلك بعض الأوساط الاجتماعية، فرضية التلاقي بين الضغوط الاقتصادية والتوقيتات السياسية الحساسة.
بمعنى أن المجتمع الإيراني في جانب من جوانبه يتعامل مع مثل تلك الاحتجاجات نعم بتفهم، لكنه لا يستبعد وجود قوى خارجية تعمل على تأليب المجتمع ضد النظام السياسي للحصول على مكاسب ضاغطة من هذا النظام في الملفات الدولية والإقليمية ذات الصلة، خاصة أن اللاعب الغربي على سبيل التحديد، لم يغفر لإيران تعاونها العسكري مع روسيا في الحرب الأوكرانية.
ثانيا: البازار ودلالاته التاريخية
في اللغة الفارسية تعني كلمة البازار: السوق، ولعل كل من خبر التاريخ الإيراني يعرف أن نقطة انطلاق الاحتجاجات من بازار طهران تمثل تطورا بالغ الدلالة، حيث إن البازار الإيراني لم يكن تاريخيا مجرد فضاء اقتصادي، بل كان أحد أعمدة التحالف البنيوي بين رأس المال التجاري ورجال الدين، وهو التحالف الذي لعب دورا محوريا في الثورة الإسلامية عام 1979، وفي تثبيت النظام لاحقا.
من هذا المنظور، فإن خروج الاحتجاجات من قلب البازار يوحي بأن العلاقة التاريخية بين الدين والمال في إيران تتعرض لتآكل تدريجي، بفعل الضغوط الاجتماعية الهائلة التي أفرزتها العقوبات، وسوء الأوضاع المعيشية، واتساع الفجوة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين التقليديين.
غير أن هذا العامل لا يعني بالضرورة انهيار هذا التحالف كليا؛ لكنه يشير إلى تصدعات واضحة في أحد ركائز الاستقرار الاجتماعي للنظام السياسي في إيران الذي طالما اعتمد على رجال البازار في تمويل نشاطاته الداخلية، لاسيما أن رجال البازار هؤلاء يدفعون إلى رجال الدين 20 بالمئة من دخولهم السنوية في إطار “الخُمس” المعروف كزكاة المال في الفقه الشيعي القائم في البلاد.
ثالثا: التدويل وحدود التدخل الأمريكي
إن التطور الأخطر في مسار الأحداث تمثل في تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال”، يوم الجمعة 2 يناير 2026م، حين قال إن الولايات المتحدة الأمريكية “ستتحرك لإنقاذ المحتجين”، إذا أقدمت السلطات الإيرانية على إطلاق النار عليهم، وفق منطوق منشوره.
ولعل هذا الخطاب الأمريكي الخارجي يعيد إلى الأذهان نمطا أمريكيا مألوفا في التعامل مع احتجاجات دول الخصوم، يقوم على الانتقال السريع من التعبير السياسي إلى التهديد الضمني بالتدخل، وقد فعلت أمريكا على عهد ترامب الأمر نفسه في إيران بالشرق الأوسط كما هو الوضع الراهن، وفعلته أيضا في فنزويلا بأمريكا اللاتينية.
غير أن الرد الإيراني جاء سريعًا وحازمًا، فقد حذر أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، من أن أي تدخل أمريكي في هذه القضية الداخلية سيفضي إلى فوضى إقليمية عارمة، وهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، كما أكد أن السلطات تميز بين الاحتجاجات المطلبية للتجار وبين ما تصفه بـ”العناصر التخريبية”، محذرًا الجنود الأمريكيين من تداعيات أي مغامرة عسكرية.
بدوره، شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على أن الإيرانيين قادرون على حل مشكلاتهم عبر الحوار الداخلي، رافضًا أي تدخل أجنبي، فيما لجأ الجنرال علي شمخاني، مستشار المرشد، إلى خطاب تهكمي، مستحضرًا ما وصفه بـ”تجربة الإنقاذ الأمريكي” من العراق وأفغانستان إلى غزة، في محاولة لنزع المصداقية الأخلاقية عن الخطاب الأمريكي.
رابعا: الذاكرة التاريخية كأداة تعبئة
سعت الدبلوماسية الإيرانية، في سياق ردها على التصريحات الأمريكية، إلى استدعاء الذاكرة التاريخية المتعلقة بالتدخلات الأمريكية في إيران، بدءا من نهب أمريكا لثروات الأمة الإيرانية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، مرورا بالدور الأمريكي – البريطاني في إسقاط حكومة الدكتور محمد مصدق عام 1953 من خلال عملية “أجاكس”.
هذا الاستدعاء ليس مجرد خطاب تعبوي، بل يمثل أداة مركزية في إستراتيجية النظام لتعزيز مناعة الداخل، عبر ربط أي ضغط خارجي راهن بسلسلة طويلة من التدخلات التي يُنظر إليها بوصفها انتهاكًا للسيادة الوطنية.
ومن المعروف أن لأمريكا تاريخ طويل في التدخل بالشؤون الإيرانية لدرجة أن السفارة الأمريكية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي كانت تتدخل في عمل الأحزاب وسائل الإعلام بل وحتى في تعيين الوزراء في الحكومات التي تقلدت السلطة في قصر الباستور الذي كانت الحكومة تدار منه على عهد الشاه.
خامسا: سيناريوهات التصعيد والاحتواء
تشير معطيات المشهد الراهن إلى أن النظام الإيراني، في حال تطور الموقف نحو تدخل عسكري أمريكي مباشر أو غير مباشر، قد يلجأ إلى ما يمكن وصفه بـ”المعادلة الصفرية”، أي الرد الشامل باستخدام أوراق القوة الإقليمية بالتنسيق مع حلفائه وبالتزامن إذا لزم الأمر، بما يهدد المصالح الأمريكية في أكثر من ساحة على طول الجغرافيا الإقليمية.
تظهر التجربة التاريخية أن المجتمع الإيراني، رغم تنوعه القومي والديني والاجتماعي، والذي يتكون من عشر مجموعات عرقية ودينية رئيسية على الأقل، يميل إلى الالتفاف حول أي نظام حاكم عندما يشعر بتهديد خارجي مباشر، وهو ما يجعل أي تدخل أمريكي محتمل خطأً استراتيجيًا مكلفًا، لا يحقق أهدافه المعلنة، بل يخدم النظام الإيراني في إعادة اللحمة إلى مكونات الأمة الإيرانية.
كما أن السيناريو الأكثر احتمالا هو انتشار الحرس الثوري في طول البلاد وعرضها خاصة في بؤر التوتر للسيطرة على الوضع، وهو قادر على ذلك تماما كما فعل في حالات سابقة قريبا، لاسيما في مظاهرات ديسمبر ــ يناير 2017 ــ 2018م، وفي احتجاجات البنزين نوفمبر 2019م، وأخيرا في مظاهرات مهسا أميني سبتمبر 2022م.
خاتمة
في المحصلة، تكشف الاحتجاجات الراهنة عن أزمة بنيوية عميقة في الاقتصاد والمجتمع الإيرانيين، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن حدود الرهان على التدويل والتدخل الخارجي، فالحالة الإيرانية، كما أثبتت التجارب السابقة، تظل عصية على التنبؤ، وقابلة لإفراز نتائج غير متوقعة، سواء للنظام أو لخصومه.
ويبقى السؤال مفتوحا حول قدرة النظام على احتواء هذه الموجة عبر أدوات داخلية، من دون الانزلاق إلى سيناريوهات تصعيد إقليمي قد تعيد إنتاج دورات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله.