أعلنت خمسة أحزاب كردية إيرانية، في خطوة سياسية بارزة، عن تشكيل “ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران”، وهو تحالف يهدف إلى توحيد الجهود الكردية ومواجهة ما وصفته بـ”انعدام شرعية النظام الإيراني في طهران”، والمطالبة بحق تقرير المصير في إطار دعوات أوسع للتغيير السياسي، ومن المؤكد أن هذا الملف يتجاوز اللحظة الراهنة ليعكس تعقيدات تاريخية وسياسية عميقة.
فإيران دولة متعددة القوميات واللغات، تضم إلى جانب الفرس أقليات كبرى مثل الأذريين والأكراد والبلوش والعرب والتركمان والأرمن وغيرهم، وقد شهدت السنوات الأخيرة موجات متقطعة من الاحتجاجات، ارتبط بعضها بعوامل اقتصادية ومعيشية وبعضها الآخر بمطالب ثقافية.
في هذا السياق يبرز سؤالان أساسيان إلى أي مدى تمثل تحركات الأقليات تحديا حقيقيا للنظام؟ وهل يمكن للولايات المتحدة توظيف هذا الملف كورقة ضغط في صراعها مع طهران؟
دوافع التحالف الكردي وأهدافه الإستراتيجية
يمكن إجمال دوافع التحالف الكردي وأهدافه في الإستراتيجية على المديين القريب والمتوسط في عدد من العوامل، وهي كالتالي:
- تكوين الائتلاف والسياق السياسي
في 22 فبراير 2026، أعلنت خمس فصائل كردية إيرانية عن تشكيل ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران يهدف هذا الائتلاف بحسب ما أعلنوا عنه إلى توحيد الصف الكردي لمواجهة ما يعتبره تحالفاً غير شرعي للحكومة في طهران ومحاولة بناء كيان ديمقراطي يعبر عن تطلعات أكراد إيران.
هذا الإعلان يأتي في سياق تزايد الاضطرابات الاجتماعية في أنحاء متعددة من إيران بسبب ضغوط اقتصادية، والاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2025 بسبب انهيار العملة، التي شهدت تظاهرات في مناطق واسعة من إيران، وقد أظهر حجم الاحتجاجات مدى الإحباط الشعبي.
أوضح البيان المشترك لأحزاب الائتلاف أن الأهداف الرئيسية تتضمن النضال من أجل إسقاط الجمهورية الإسلامية وتحقيق حق تقرير المصير للشعب الكردي. يشير ذلك إلى تطلع نحو تغييرات دستورية وسياسية جذرية، لا تقتصر على مطالب هوية ثقافية، بل تتجه نحو إعادة تشكيل العلاقة بين طهران والمناطق الكردية. بالإضافة إلى ذلك أشار التحالف إلى ضرورة دعم الاحتجاجات المناهضة للحكومة في مختلف أنحاء إيران، ما يعكس محاولة لربط القضية الكردية بإطار احتجاج شعبي عام ضد ما يعتبرونه نظاماً أستبداديًا.
رغم أن بعض هذه الفصائل تعود في أصلها إلى حركات ذات طابع مسلح، فإن التحالف الجديد يحاول أن يظهر بصورة إطار سياسي منظم يركز على التنسيق والعمل المشترك في المجال السياسي فقط غير أن الخلفية التاريخية لبعض هذه الجماعات التي كان لها في فترات سابقة أجنحة عسكرية أو ارتبطت بحركات كردية أوسع في المنطقة مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني “PJAK” تجعل المشهد أكثر تعقيداً فوجود هذا التاريخ يطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة هل سيبقى النشاط في حدود العمل السياسي السلمي، أم أن هذه الأحزاب يمكن أن تعود للتحرك الميداني مرة أخرى؟
أقليات أخرى وتحركات متفاوتة
لا يقتصر المشهد على الأكراد ففي جنوب شرق البلاد تنشط جماعات بلوشية في إقليم سيستان وبلوشستان، حيث يشكو السكان من معدلات بطالة مرتفعة وضعف البنية التحتية وقد شهدت المنطقة احتجاجات بعد حوادث أمنية، وتتهم السلطات بعض الجماعات المسلحة بتلقي دعم خارجي ورغم ذلك، فإن جزءاً مهماً من التحركات هناك يرتبط بمطالب تنموية وخدمية أكثر منه بمشروع سياسي شامل.
أما في الجنوب الغربي حيث تقطن أقلية عربية في محافظة خوزستان، فقد اندلعت احتجاجات في فترات مختلفة بسبب قضايا المياه والبيئة وسوء الأوضاع المعيشية وتبرز هنا إشكالية التداخل بين البعد القومي والبعد الاجتماعي إذ يصعب أحياناً الفصل بين الاحتجاج على التهميش الاقتصادي وبين التعبير عن هوية ثقافية خاصة.
في المقابل تُعد الأقلية الأذرية وهي من أكبر الأقليات عدداً حالة مختلفة نسبياً، فعلى الرغم من وجود مطالب ثقافية تتعلق باللغة والتعليم فإن الأذريين مندمجون بقوة في مؤسسات الدولة والاقتصاد ويشغل العديد منهم مناصب رفيعة لذلك لم تتبلور لديهم حركة سياسية جماعية تتخذ طابعاً معارضاً واسعاً كما هو الحال لدى القوميات الأخرى.
إلى جانب التحركات القومية، هناك موجات احتجاج اجتماعية واسعة تشمل الطلاب والعمال والنساء، خاصة منذ 2022، كان لها أبعاد تتركز على الحريات العامة والعدالة الاقتصادية، وهو ما يشير إلى أن القلق الاجتماعي في إيران لا يقتصر على الأقليات فقط، بل أصبح جزءاً من احتجاج جماهيري واسع يصعب تجاهله.
هل يمكن لأمريكا استخدام ورقة الأقليات؟
تاريخياً، سعت الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغوطًا متعددة على طهران شملت العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية ودعم بعض قوى المعارضة في الخارج وفي هذا الإطار يُطرح احتمال توظيف ملف الأقليات كأداة ضغط إضافية سواء عبر الخطاب السياسي والإعلامي أو عبر قنوات دعم غير مباشر.
غير أن استخدام هذا الملف يواجه معوقات عدة أولاً، أي دعم خارجي معلن لتحركات ذات طابع قومي قد يعزز خطاب السلطة في إيران حول التدخل الأجنبي ويؤدي إلى التفاف قطاعات من المجتمع حول الدولة بدافع الحس الوطني. ثانياً، كثير من مطالب الأقليات ذات طابع إصلاحي داخلي ولا تسعى بالضرورة إلى الانفصال ما يجعل توظيفها ضمن أجندة خارجية أمراً معقداً.
كما أن التجارب الإقليمية أظهرت أن اللعب بورقة الهويات القومية قد يؤدي إلى عدم استقرار طويل الأمد، وهو ما قد لا يخدم بالضرورة مصالح واشنطن أو حلفائها. فأمريكا تدرك أن تفكك دولة بحجم وأهمية إيران قد يفتح الباب أمام سيناريوهات فوضى إقليمية يصعب التحكم فيها وهو ما تخشاه أمريكا.
خاتمة
تكشف تحركات بعض الأحزاب الكردية والتوترات في مناطق الأقليات عن تحديات كبيرة تواجهها إيران في إدارة تنوعها القومي والثقافي في ظل أزمات اقتصادية وضغوط خارجية متصاعدة ورغم أن ملف الأقليات يمثل نقطة حساسة يمكن نظرياً استثمارها في سياق الصراع بين طهران وواشنطن، فإن تعقيدات الواقع الداخلي الإيراني وتداخل البعد القومي مع الاجتماعي والاقتصادي، تجعل من الصعب اختزاله في أداة ضغط خارجية مباشرة. في النهاية، يظل استقرار إيران مرتبطاً بقدرتها على بناء صيغة أكثر شمولاً لإدارة التنوع بحيث تفتح المجال لمشاركة أوسع.