أظهرت وثائق جيفري إبستين المسربة مؤخرًا أنه على الحكومة الإيرانية أن تجد طريقة لخلق حركة ثقافية لمواجهة الفساد المتمركز في وسائل الإعلام الغربية، وأن تتخذ الأمر بشكل جدي، بعد الوثائق التي أظهرت فضائح لا حصر لها، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار حالة العداء الغربي للثورة الإيرانية، والدستور الإسلامي، والقيادة الإسلامية وجوهرها الخالص الكامن هنا.
إن فضائح إبستين كشفت عن حجم التباين بين طريقين: طريق الصراط المستقيم وطريق الحق لأجل إحقاق الحق، والطهارة وكرامة الإنسان، في مقابل طريق الشيطان وقوى الفساد والنفس الأمارة بالسوء. كما يجب على وزارة الثقافة، ووزارة الإرشاد، والمساجد، والجامعات، والمدارس، أن يفسحوا المجال للمفكرين وكبار علماء الحوزة، وأساتذة السياسة والدراسات الثقافية، وعلماء الاجتماع الديني، للسفر إلى كل بقاع العالم لمناقشة تلك الظاهرة.
النظام الإيراني وفضائح إبستين
“إن فضائح جزيرة إبستين تكشف عن ضرورة ملحة لأن يتعرف الشعب على أن الثورة الإسلامية قائمة على أطهر أشكال الولاية والقيادة الإلهية المتمثلة في ولاية الفقهاء الأتقياء، بينما فرضت نزعة السيطرة الرأسمالية في العالم الحديث، والاستكبار العالمي، على شعوب الغرب قيادات غارقة في الفحشاء ومعتدين خبثاء”.
كما تكشف ظاهرة جزيرة إبستين أن وسائل الإعلام العالمية الغربية الرأسمالية ما هي إلا خدم للجشع الرأسمالي الغربي، والآن وأثناء إجراءات ظهور جزيرة إبستين، أصبحت وسائل الإعلام غير الأمريكية، سواء الغربية أو الموالية لهم، صوتًا لتلك القوى الخفية في تقاريرها الإخبارية والروايات عن إبستين، وهذا إما بسبب الجهل، أو بسبب ارتباطها بالولايات المتحدة المسماة “الشيطان الأكبر”.
إن فضيحة إبستين بدأت بشكوى فتاة تبلغ من العمر 14 عامًا، ثم أظهرت قائمة كبيرة من ضحايا إبستين، لتنتهي بتلك الفضيحة العالمية، وإذا نظرنا بدقة أكبر سنرى أن التأثير النفسي للأحداث بأكملها يشير إلى القوى الغربية والأمريكية وسياسات الليبرالية المنفتحة على مسألة حرية الرأي الأمريكية، وهذا الرأي هو الأكثر حماقة في نظام القوى العالمية.
كما تكشف تلك الفضيحة عن حالة الاستغلال والهيمنة العالمية المرعبة على الضحايا وممارسة أكبر أنواع الجرائم بحقهم مثل القتل، والعنف، والفساد، والاعتداء، وإراقة الدماء، وكل تلك الأمور رفعت الستار عن النزعة التعسفية للنظام العالمي وسلوكه المعادي للبشرية حتى لا يُقام العدل في قالب سياسي، وباتت تلك الفضيحة تكشف الطبيعة الماكرة والقمعية للغرب، وشبكة علاقاته الاقتصادية التي تستند إلى الهيمنة على المنظمات الدولية والعالمية لحفظ أمن تلك القوى وتكريس الظلم العالمي.
جزيرة إبستين مسرح غياب الإله
وتكشف أيضًا فضائح إبستين عن عمق البراعة الغربية والأمريكية في التخطيط لإدارة نظام استثماري مرفه يعمل على تحويل كل شيء إلى سلعة، بداية من الشرف والأخلاق وحتى العلاقات المحرمة، ثم الترويج الممنهج لدهس الأصول الدينية وانتشار كافة أنواع الفساد بشكل قانوني في أعلى مراكز السلطة.
إن جزيرة إبستين كانت تمثل المسرح الذي يجسد غياب الإله وسيطرة فكرة العدمية المعاصرة التي أعلن عنها الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه بحماس بالغ، وهو ما يطرح تساؤلًا ملحًا مفاده: أليس هذا الاستخفاف خداعًا شيطانيًا؟ ألا يُعد دورهم هذا محاولة لإخفاء الأبعاد الأيديولوجية والسياسية والأخلاقية لنظام السلطة العالمية؟ إن تلك الوثائق المسربة تكشف السلوك الغربي وعلاقته ببداية ظهور السلطة الرأسمالية الجديدة والسلطة الاستعمارية، وكذلك النزعة التسلطية منذ الحروب الصليبية وحتى عصر النهضة، ومن عهد النهضة وحتى عصر الثورات الديمقراطية، ومنذ القرن الثامن عشر وحتى انتشار الحداثة في القرن التاسع عشر، ومن ثم كل هذا الفساد في القرن العشرين للسلطة الأمريكية.
وهو ما يبرز تساؤلًا آخر مهمًا: هل أصبحت جزيرة إبستين معبرة عن فلسفة الحداثة؟ وهو التساؤل الذي يجبرنا على البحث في أدوار الماسونية العالمية والدور اليهودي في العالم في تشكيل شبكات كبيرة مثل شبكة إبستين، وهي الشبكات التي عملت قديمًا على نشر الإقطاع الكنسي ومحاكم التفتيش وترسيخ الإباحية وإنكار الوحي، وكرست لوحشية الاستعمار في كلٍّ من البرتغال، وإسبانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، وألمانيا الشيوعية، وكرست النظام الاستعماري في القرن التاسع عشر في روسيا وإنجلترا، والإمبريالية الأمريكية في القرن العشرين، وانتهاءً بتحقيق نظام الأحادية القطبية بعد تسعينيات القرن الماضي.
أهداف تسريب وثائق إبستين
إذًا لا يجب النظر إلى جزيرة إبستين من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية فحسب، بل إن هناك حقائق أعمق يمكن النظر إليها، والتي تتمثل في:
1- خلقت وثائق إبستين مساحة لاتخاذ السلطات الفاسدة كرهائن والتحكم بها من قبل إسرائيل والسلطات العظمى التي تدير العالم، بدءًا من عائلات “روتشيلد” و”روكفلر” وحتى عائلات “مورغان” و”إدلسون”، أما “إبستين” اليهودي الأمريكي الرأسمالي فهو مجرد منفذ للأوامر وليس المالك الأصلي.
2- جزيرة إبستين هي نقطة تحول لتغيير نظام العالم والأحداث العالمية؛ لتأسيس نظام حكم إلحادي موحد والقضاء على الحكومات من خلال الثورات.
3- محاولة لإقناع الشعب الأمريكي بسحب يده من دعم السلطة الحاكمة له إذا ما شهدت أمريكا أفول السلطة وانهيار النظام بسبب الفساد، وأن يضحي الشعب الأمريكي بحياته من أجل إقامة المشروع اليهودي العالمي الذي طالما كان بلا دولة، واليوم يحلم بقوة عالمية عابرة للحدود.
4- أظهرت الوثائق أن هناك محاولات جادة لترسيخ ثقافة الفساد والاعتياد على الاحتفالات الوحشية وعبادة الشيطان، وترسيخ تلك العلاقات المعادية للإنسان في ذهن الشعوب وزراعة بذرة الفساد للقضاء على فطرة الأخلاق والدين لترسيخ نظام شيطاني بدلًا منه.
5- الأخذ في الاعتبار اللعبة بين الرأسمالية والعولمة في أمريكا وخلافهما، ودور العولمة في تشويه أيديولوجية ترامب القومية لتوسيع نطاق اليهودية العالمية.
خاتمة
تحتاج وسائل الإعلام الإيرانية إلى ما يؤهلها للإعلان عن تفاصيل كبيرة حول فضائح جزيرة إبستين، ويجب على كلٍّ من إدارة الثقافة والإرشاد، والمساجد، والإعلام، والجامعات، والمدارس أن تقف وأن تدفع الوعي الوطني من المنظور الإسلامي في تلك الأمور، وأن تمنح الفرصة للإيرانيين لمعرفة حقيقة العلاقات الخفية للقائمين على النظم السياسية العالمية، انطلاقًا من قاعدة “تحقيق نجاة الإسلام” عن طريق إقامة الندوات الجامعية وتصدي كبار العلماء لمواجهة تلك الظواهر الخارجة عن إطار الدين والتي تمثل الحداثة الغربية، وهو ما يسهم في فضح القوى الحاكمة للعالم ودورهم في نشر الفساد ضد الإنسان.
================-
(*) مقالة مترجمة عن موقع صحيفة اطلاعات الإلكترونية “جام جام أونلاين” للكاتب: أحمد ميراحسان، بعنوان: “تحريف رسانهاى روايت اپستين” وتعني: “تحريف وسائل الإعلام لوقائع إبستين”.