يُعدّ النقاش حول التدخل العسكري الخارجي في إيران أحد أكثر القضايا حساسية في الفضاءين السياسي والاجتماعي للبلاد، فعلى الرغم من أن غالبية الناس، استنادًا إلى تجربة الحرب والخوف من تداعياتها الإنسانية والاقتصادية، يعارضون أي شكل من أشكال التدخل العسكري، فإن شريحة من الرأي العام، لأسباب متعددة، تؤيد هذا الخيار.
ويعود دعم هذه الفئات عادةً إلى حالة من السخط العميق تجاه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في البلاد، وإلى شعور بالقمع وغياب الفرص السياسية، ويُظهر تحليل هذه التوجهات أن تأييد التدخل العسكري الخارجي ليس مجرد نتيجة لتأثير وسائل الإعلام أو الخطاب الخارجي، بل هو في جوهره نتاج الغضب واليأس والشعور بالعجز داخل البلاد.
السخط السياسي وفقدان الثقة بالحكومة
يُعدّ السخط السياسي العميق أحد أهم أسباب موافقة شريحة من الناس على التدخل الخارجي، فالأفراد الذين عايشوا قمع الاحتجاجات، وتقييد الحريات الاجتماعية، وغياب إمكانية المشاركة الحقيقية في صنع القرارات الكبرى للبلاد، يشعرون بأن التغيير عبر المسار الداخلي لم يعد ممكنًا.
ويعتقد هؤلاء أن الضغط الخارجي يمكن أن يُجبر الحكومة على القيام بإصلاحات أو إحداث تغيير بنيوي، وبالنسبة لهذه الفئة، لا يُنظر إلى التدخل العسكري الخارجي بالضرورة على أنه نهاية لإيران، بل كأداة لإحداث تحول وإنهاء الوضع القائم.
وقد عززت تجربة الاحتجاجات الداخلية التي لم تُسفر عن نتائج ملموسة هذا التصور، ونتيجة لذلك، يدفع الإحساس بالعجز عن إحداث التغيير جزءًا من الرأي العام نحو قبول التدخل الخارجي.
الأزمة الاقتصادية وضغوط المعيشة
تُعدّ الأوضاع الاقتصادية عاملًا حاسمًا آخر، فمعدلات التضخم المرتفعة، والبطالة الواسعة، وتراجع القدرة الشرائية، وانتشار الفساد الاقتصادي، جعلت الحياة اليومية للمواطنين أكثر صعوبة.
يعرب كثير من المواطنين، ولا سيما من الطبقتين المتوسطة والدنيا، عن عدم رضاهم عن الوضع الاقتصادي، ويعزون ذلك إلى سياسات الحكومة.
وقد دفع هذا السخط الاقتصادي بعض الأفراد إلى النظر إلى التدخل الخارجي بوصفه سبيلًا لتغيير الظروف القائمة، فهم يعتقدون أن الضغط العسكري الخارجي قد يُجبر الحكومة على إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية، ويوفر مجالًا أوسع لتحسين مستوى المعيشة وخلق فرص اقتصادية أفضل، وبعبارة أخرى، فإن الغضب واليأس الاقتصاديين مهّدا الأرضية لتقبّل خيارات أكثر راديكالية.
دور وسائل الإعلام والخطاب الدولي
تلعب وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، والأخبار الدولية دورًا مهمًا في تشكيل وجهات النظر المؤيدة للتدخل الخارجي، فالتغطية الإعلامية للأزمات، والفساد، وأشكال القمع، والإخفاقات الداخلية، ترسم صورة عن عجز الحكومة وتنقل رسالة مفادها أن التغيير من الداخل غير ممكن.
إلى جانب ذلك، تسهم الدعاية والتحليلات التي تقدمها وسائل الإعلام الأجنبية، والتي تشدد على ضرورة “الضغط من أجل الإصلاح”، في إقناع شريحة من الناس بأن التدخل الخارجي أداة مشروعة للتغيير.
وفي هذا السياق، يتحول دعم التدخل العسكري الخارجي تدريجيًا إلى خيار يُنظر إليه على أنه عقلاني ومنطقي لدى فئة من الأفراد الذين يعيشون حالة عميقة من التشاؤم واليأس.
التجربة التاريخية واليأس من مسارات الإصلاح
تؤثر التجربة التاريخية لإيران في مواقف بعض شرائح الرأي العام، إذ يرى بعض الأفراد أن الحكومات السابقة، حتى خلال الفترات التي وُصفت بالإصلاحية، لم تتمكن من إحداث تغييرات حقيقية ولم تفِ بوعودها.
عزز قمع احتجاجات السنوات الأخيرة والعجز عن الاستجابة لمطالب الناس هذا الشعور باليأس، وبالنسبة لهذه الفئة من المجتمع، يُنظر إلى التدخل الخارجي على أنه الحل الأخير لإحداث التغيير.
وقد لا يعارض هؤلاء الحرب أو العنف، لأنهم يرون أن الضغط الخارجي وحده قادر على تحدي بنية السلطة وتغيير الوضع القائم، ومن ثمّ، فإن دعم التدخل العسكري الخارجي هو نتاج يأس تاريخي وتجربة فشل المسارات الداخلية.
خلاصة
في المحصلة، فإن موافقة شريحة من الرأي العام الإيراني على التدخل العسكري الخارجي ضد الجمهورية الإسلامية هي نتاج تداخل السخط السياسي، والضغوط الاقتصادية، وتأثير وسائل الإعلام، والتجربة التاريخية.
وهذه الفئة لا تنظر إلى التدخل الخارجي بالضرورة بوصفه نهاية للبلاد، بل كأداة للتغيير والإصلاح ووضع حدّ للوضع القائم، ويُظهر هذا التصور أن السياسات الداخلية والظروف المعيشية تؤدي دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام.
حتى وإن كانت غالبية المجتمع تعارض أي تدخل خارجي، فإن شريحة معتبرة من الناس، الذين يئسوا من عجز الحكومة ومن القيود الاجتماعية والاقتصادية، قد يرون هذا الخيار منطقيًا وضروريًا.
كما أن فهم هذه التوجهات يتيح لصنّاع القرار والمحللين إمكانية صياغة مقاربات لا تستجيب فقط لهموم المواطنين، بل تحول أيضًا دون تعميق الانقسام الاجتماعي، وهو أمرٌ يبدو أنه لم يكن، حتى الآن، ضمن أولويات أو اهتمامات القائمين على الحكم في إيران.