أكد محلل اقتصادي ومدير سابق في “منظمة التخطيط والميزانية” أن الأهم من توحيد سعر الصرف هو “استدامته”، مشدداً على أن الإصلاحات الاقتصادية لن تؤتي ثمارها دون وجود برنامج كلي منسجم يقوم على تغيير (نموذج) الحوكمة. وأوضح أنه طالما لم يتم إعادة تعريف المكونات المؤثرة على صنع السياسات الاقتصادية، فستظل هذه الإصلاحات ناقصة.
يعاني الاقتصاد الإيراني منذ سنوات من أمراض مزمنة متعددة؛ استمرار معدلات التضخم المرتفعة، انخفاض النمو الاقتصادي والاستثمار، عدم كفاءة النظام الإداري والشركات الحكومية، والميزانية غير المتوازنة (العاجزة)، وكلها مؤشرات تعزز ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية. في ظل هذه الظروف، ورغم أن الحكومة الرابعة عشرة قد بدأت خطواتها الإصلاحية من خلال إصلاحات العملة وضبط وضع الميزانية، إلا أن الطريق نحو النقطة المنشودة لا يزال شاقاً، خاصة مع استمرار العقوبات الأمريكية الجائرة التي تهدف إلى تضييق الخناق على الاقتصاد والتجارة الخارجية لإيران.
أجرت وكالة “إيرنا” حواراً مع حسن خوشبور، المدير الأسبق في منظمة التخطيط والميزانية، حول ضرورات الاقتصاد الإيراني اليوم للتحرك نحو مزيد من الإصلاحات؛ حيث يعتقد خوشبور بضرورة تغيير نمط الحوكمة في المجال الاقتصادي لتمكين الإصلاحات.
وفيما يلي نص الحوار:
الاقتصاد الإيراني غير مساره منذ عام 2005
إيرنا: في السنوات الأخيرة، لم تظهر المؤشرات الاقتصادية ظروفاً جيدة؛ من النمو الاقتصادي السلبي إلى انخفاض الاستثمار والتضخم المرتفع. في ظل هذه الظروف، بدأت الحكومة الإصلاحات الاقتصادية؛ فهل هذه الإصلاحات قابلة للتحقيق؟ وما هي البنية التحتية اللازمة لنجاحها؟
خوشبور: اسمحوا لي أولاً أن أوضح قليلاً بشأن العقدين الأخيرين اللذين شهدا تحولات حاسمة. فمنذ عام 2005 (1384 هـ.ش) وما بعده، غير الاقتصاد الإيراني مساره. في الفترة ما بين 2005 و2013، عادلت إيرادات صادرات النفط إجمالي إيرادات النفط منذ اكتشافه في إيران حتى عام 2005؛ أي أن إيرادات النفط في تلك السنوات الثماني كانت تعادل إيرادات 100 عام سبقتها. إذا فحصنا آثار هذه الدخل على الاقتصاد خلال تلك السنوات الثماني مقارنة بآثاره خلال المائة عام السابقة، ستكون النتيجة واضحة تماماً. فالاقتصاد الإيراني لم يمتلك توجهاً محدداً، ولا نظماً صحيحاً، ولا رؤية واضحة لتحقيق الأهداف.
هذا بالرغم من أن البلاد كانت تمتلك برنامجاً تنموياً طويل الأمد و”وثيقة رؤية” محددة لعام 2025. إذا كان من المقرر إجراء إصلاحات، فيجب أولاً معرفة ما إذا كانت الأرضية مناسبة أم لا. هل يسير مناخ الاقتصاد الكلي في مسار يهدف للوصول إلى غاية محددة؟
الإصلاح الاقتصادي وحده غير ممكن
لقد أثبتت التجربة أن الاقتصاد الإيراني في هذه السنوات لم يمتلك هدفاً مشخصاً، وقد تأثر بالمتغيرات الخارجية والبيئية لدرجة أن صانعي السياسات المحليين لم يتمكنوا من تصميم حلول داخلية مؤثرة.
يمكن تلخيص هذه العوامل الخارجية في العقوبات المفروضة، ولكن الأهم منها في نظري هو “المتغيرات السياسية” ونمط “الحوكمة الاقتصادية والسياسية” التي أوجدت مناخاً لا يسمح بتطبيق أي إصلاح اقتصادي تنموي. أي إصلاح يطرح الآن هو في الحقيقة يهدف لـ “حفظ البقاء” ومنع فقدان المكتسبات الأولية للاقتصاد.
أما عن إمكانية نجاح هذه الإصلاحات، فأقول إنها غير ممكنة مالم يتغير “البارادايم الاقتصادي” والتوجه العام ومعتقدات الحوكمة، وهي معتقدات لا تقتصر على الاقتصاد بل تشمل القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية أيضاً.
الاقتصاد الإيراني لا يمتلك برنامجاً منسجماً حتى الآن
إيرنا: أشرتم إلى أن الاقتصاد لا يملك هدفاً محدداً؛ هل المشكلة في تعريف المسار، أم في فرق العمل الحكومية التي تكرر نهج سابقاتها؟
خوشبور: أنا لا أقصد حكومة بعينها. عندما نقول إن الاقتصاد لا يملك هدفاً، فهل السبب هو العقوبات فقط؟ أم وجود أفراد غير كفؤين؟ انظروا، كان لدينا “وثيقة رؤية” لعشرين عاماً (2005-2025)، مقسمة إلى أربعة برامج تنموية خماسية. عند دراسة هذه البرامج، نجد تضارباً؛ فمثلاً يركز برنامج على اقتصاد السوق والاستثمار الأجنبي، بينما يتجاهل البرنامج التالي هذه الأمور. هذا يظهر غياب الانسجام المحتوي.
الميزانيات السنوية هي البرامج التنفيذية، وإذا فحصنا التسلسل (وثيقة الرؤية -> برامج التنمية -> الميزانية)، سنكتشف أن الاقتصاد الإيراني لا يمتلك عملياً برنامجاً منسجماً.
إيرنا: ما سبب عدم وضوح الأهداف الاقتصادية في التخطيط طويل الأمد؟
خوشبور: يعود ذلك إلى نقص الوعي لدى المخططين أثناء الإعداد، وكذلك لدى مجلس الشورى الإسلامي أثناء التصديق، ولدى الجهات الرقابية. فمثلاً، إذا أرادت الحكومة الرابعة عشرة إجراء إصلاحات، فإلى أي برنامج تتبع؟ وما هو هدفها؟ هل هو مجرد تعديل سعر الصرف أو حذف الدعم لزيادة الإيرادات؟ هذه الإجراءات لا تقع ضمن خارطة طريق متوسطة أو طويلة الأمد.
الدولة لم تعد الحاكم الوحيد للاقتصاد
إيرنا: لماذا تبدأ الإصلاحات ثم تتوقف في منتصف الطريق؟
خوشبور: يجب أن نسأل: ما هي حصة الدولة في الاقتصاد؟ هل الدولة هي الحاكم الوحيد؟ برأيي لا. خذوا مثال “تصغير حجم الدولة”؛ هذا الهدف موجود منذ البرنامج التنموي الأول لكنه لم ينفذ بشكل صحيح.
في مراحل معينة، قلنا سنفصل المنشآت الاقتصادية عن الدولة ونعطيها للقطاع الخاص لرفع الكفاءة، ولكن ما حدث هو أننا أخذنا المنشآت من الدولة وأعطيناها لقطاع “بلا هوية” قانونية، وهو ما يسمى اليوم بالقطاع “الخصولتي” (شبه الحكومي).
أو في مشروع “أسهم العدالة”؛ عادت الدولة لتتولى إدارتها عملياً. النتيجة هي أن الدولة لم تعد الحاكم الوحيد؛ فهناك مؤسسات وجهات أخرى تؤثر على الاقتصاد، مما أدى إلى “تراجع سلطة الدولة” في اتخاذ القرارات الاقتصادية الحاسمة.
إصلاح الحوكمة هو المتطلب السابق للإصلاح الاقتصادي
إيرنا: هل تتفق مع وجهة نظر الدكتور “مسعود نيلي” بضرورة إصلاح نموذج الحوكمة أولاً؟
خوشبور: تماماً. وعندما أتحدث عن الحوكمة، لا أقصد الاقتصادية فقط، بل الحوكمة السياسية والداخلية التي يجب أن تؤمن بضرورة مجموعة من الإجراءات لإصلاح الوضع. القضايا الاقتصادية لها حلول اقتصادية، لكن السؤال هو: هل توجد إرادة لتنفيذها؟ على سبيل المثال، تخصيص جزء كبير من إيرادات النفط لجهات غير الحكومة في ميزانية 2026 يظهر أن المشكلة تكمن في هيكل الحوكمة.
لماذا لا يدخل القطاع الخاص ميدان الاستثمار؟
إيرنا: لماذا تفشل الحكومات التي تؤمن بالقطاع الخاص في إحيائه؟ هل فقد القطاع الخاص الرغبة؟
خوشبور: كلا العاملين موجودان. لا يملك القطاع الخاص حافزاً، و”الحاكم الاقتصادي-السياسي” لا يرغب في زيادة دور القطاع الخاص الحقيقي. الدولة حالياً تتواجد في قطاعات يبرع فيها القطاع الخاص، بينما يبتعد الأخير لأن الأسعار تُقمع بالأوامر والتعاميم مما يعرضه للخسارة.
من جهة أخرى، يخشى الحاكم من تقوية القطاع الخاص لئلا يلعب دوراً في السياسة والانتخابات. لقد رأينا في تجارب الخصخصة كيف تم إقصاء مستثمرين من القطاع الخاص عمداً أو التضييق عليهم حتى ينسحبوا.
ضعف الاقتصاد يتجلى في سعر الصرف
إيرنا: ما سبب التبعية الشديدة للدولار؟
خوشبور: عندما يضعف الإنتاج المحلي، وتفقد العملة الوطنية قيمتها، ويصبح الاقتصاد معتمداً على المدخلات الخارجية، يصبح هذا الوضع طبيعياً. سعر الصرف هو مرآة لقوة أو ضعف الاقتصاد. لا يمكن التحكم في قيمة العملة بالطرق الإدارية والمقطعية؛ فهي مثل “الزنبرك” المضغوط الذي سيعود لمستواه الحقيقي بمجرد إفلاته. التوقعات بوصول سعر الصرف إلى 180 ألف تومان تعني أن الاقتصاد لا يزال يضعف وموارده تتناقص.
الأهم من توحيد سعر الصرف هو استدامته
إيرنا: يرى رئيس الجمهورية أن توحيد سعر الصرف يمنع الفساد، فهل هذا ممكن؟
خوشبور: نظرياً، نعم؛ تعدد أسعار الصرف يخلق “ريعاً” وفساداً. لكن السؤال الأهم: هل نملك القدرة على استدامة السعر الموحد؟ وأي سعر سيكون هو المعتمد؟ هل هو سعر السوق الحرة أم السعر التوافقي؟ لقد جربنا سعر 4200 تومان ثم 28500، وبسبب المشاكل الهيكلية، تحول الرقم الجديد إلى نسخة من القديم وبقي “الريع” قائماً.
حذف الأصفار الأربعة لا يغير الواقع
إيرنا: هل حذف الأصفار إجراء مؤثر؟
خوشبور: في الاقتصاد، ما يعمل هو “الأسعار النسبية” لا القيم المطلقة. حذف الأصفار دون حزمة سياسات شاملة (نقدية ومالية) هو مجرد تغيير محاسبي وشكلي لن يغير من واقع الاقتصاد شيئاً.
إصلاح الميزانية مرهون بإصلاح وظائف الدولة
إيرنا: بدأت الحكومة بحذف الرديفات (البنود) الزائدة في ميزانية العام المقبل، هل يساعد ذلك في تقليل العجز؟
خوشبور: إصلاح الميزانية لا يعني فقط تغيير طريقة الحساب، بل يعني إصلاح وظائف الدولة. أبسط تعريف متاح هو حذف البنود التي تستهلك المال دون زيادة الكفاءة. لكن تصغير الدولة يحتاج إلى “ثورة إدارية” لأن “عيال الدولة” (المؤسسات التابعة) كثروا جداً، وهناك جماعات ضغط ومصالح تمنع هذا الإصلاح.
البنوك في إيران انحرفت عن وظيفتها الأساسية
إيرنا: ماذا عن الأزمة المصرفية، مثل انحلال “بنك آينده”؟
خوشبور: البنك وسيط مالي، لكن البنوك في إيران تحولت إلى “بنگاهداری” (إدارة المنشآت والأنشطة غير المصرفية)؛ اشتروا الأراضي وبنوا المجمعات التجارية لأنهم مضطرون لدفع فوائد عالية للمودعين بسبب التضخم. هذا السلوك يدمر هيكل البنك ويؤدي للإفلاس. الدولة أيضاً تجبر البنوك على شراء أوراق مالية بفوائد أقل من التضخم، مما يضطر البنوك لـ “خلق النقود” (طبع العملة) لتعويض الخسائر، وهو ما يؤدي لمزيد من التضخم.
ــــــــــــــــــــــ
ترجمة مقالة بعنوان: از بودجه تا ارز؛ چرا اصلاحات اقتصادی در ایران نیمهکاره میماند؟ (بالعربية: من الميزانية إلى العملة؛ لماذا تبقى الإصلاحات الاقتصادية في إيران غير مكتملة؟) بتاريخ: 4 اسفند 1404، الموافق 23 فبراير 2026، منشورة في موقع وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية).