لم يعد طريق الحرير الجديد مجرد مشروع اقتصادي أو خطة تنموية عابرة، بل أصبح أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة الصراع الدولي الدائر اليوم على النفوذ والقيادة العالمية، فالمشروع، المعروف رسميًا بمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، تجاوز منذ سنواته الأولى فكرة التجارة والاستثمار، ليتحول إلى أداة جيوسياسية تعيد رسم خرائط القوة، وتُربك موازين الهيمنة التقليدية، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، حيث تحتل إيران موقع القلب من هذا التحول.
إيران وفكرة طريق الحرير
تقوم فكرة الطريق في جوهرها على إعادة ربط آسيا بأوروبا وإفريقيا عبر شبكة واسعة من المسارات البرية والبحرية، تستعيد من حيث الشكل مسار طريق الحرير التاريخي، لكنها تختلف عنه جذريًا في الوظيفة والدلالة. نحن هنا لا نتحدث عن قوافل تجارية، بل عن سكك حديدية عابرة للقارات، وخطوط طاقة، وموانئ استراتيجية، وممرات لوجستية صُممت لتقليل اعتماد الصين على النظام البحري الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
جغرافيًا، ينقسم الطريق إلى مسارين رئيسيين يتكاملان ولا يتنافسان. المسار البري ينطلق من شرقي الصين، عابرًا آسيا الوسطى، ليصل إلى إيران، ثم يتجه غربًا نحو تركيا وأوروبا. هذا المسار يمنح بكين قدرة غير مسبوقة على نقل البضائع والطاقة عبر البر، بعيدًا عن الاختناقات البحرية التي تمثل نقطة ضعف استراتيجية لها.
أما المسار البحري، فيربط الموانئ الصينية بالمحيط الهندي، ثم بحر العرب، فالبحر الأحمر وقناة السويس وصولًا إلى المتوسط، في محاولة لإعادة تنظيم التجارة البحرية العالمية بما يخدم المصالح الصينية على المدى الطويل.
إيران جسرا مهما في طريق الحرير
هنا تحديدًا تظهر إيران، ليس كدولة عبور عادية على خريطة طريق الحرير الجديد، بل كجسر بري وبحري لا يمكن الاستغناء عنه في كلا المسارين. فموقعها الجغرافي الفريد يجعلها نقطة التقاء حقيقية بين البر والبحر؛ إذ تمتد حدودها البرية مع دول آسيا الوسطى من الشمال والشرق، بينما تطل سواحلها الجنوبية على بحر عُمان والمحيط الهندي، أي على ما يُعرف بالمياه الدافئة المفتوحة على التجارة العالمية.
هذا الموقع يمنح إيران ميزة لا تتوافر لكثير من الدول الواقعة على مسار المبادرة، فهي من الدول القليلة القادرة على ربط العمق الآسيوي غير الساحلي مباشرة بالمحيطات، من دون المرور بالمضائق البحرية الخاضعة لرقابة القوى الغربية. ومن دون المرور الإيراني، يفقد الطريق البري أحد أهم مميزاته الاستراتيجية، وهو الوصول السلس من قلب آسيا إلى البحار المفتوحة، كما يفقد الطريق البحري أحد منافذه الأكثر حساسية، التي تتيح الالتفاف على نقاط الاختناق التقليدية مثل مضيق هرمز ومضيق ملقا.
وبهذا المعنى، لا تمثل إيران مجرد محطة على الطريق، بل تشكل الجسر الجغرافي الذي يمنح المشروع تماسكه وقدرته على الجمع بين المسارين، وهو ما يفسر تحوّلها إلى عنصر محوري في حسابات القوى الكبرى، سواء تلك الساعية إلى إنجاح المشروع، أو الأطراف التي ترى فيه تهديدًا مباشرًا لموازين النفوذ القائمة.
أهمية موانئ إيران في طريق الحرير
يتجلى هذا الدور بوضوح في الموانئ الإيرانية الجنوبية، التي تحولت من منشآت محلية إلى أدوات جيوسياسية فاعلة. ففي جنوب إيران، يبرز ميناء جاسك بوصفه نموذجًا دالًا على هذا التحول. فالميناء المطل على بحر عُمان، والواقع خارج مضيق هرمز، لا يمثل مجرد نقطة لتصدير النفط، بل يعكس تغييرًا عميقًا في التفكير الاستراتيجي الإيراني.
فمن خلال خط أنابيب “جوره – جاسك”، أصبحت طهران قادرة على تصدير جزء مهم من نفطها بعيدًا عن المضيق الذي شكّل لعقود أداة ضغط أمريكية فعالة، وهي خطوة لا تقل أهمية عن أي تحالف سياسي، لأنها تعني عمليًا تقليص القدرة الأمريكية على خنق الصادرات الإيرانية عند مدخل الخليج.
أما ميناء تشابهار، المطل مباشرة على المحيط الهندي، فيحمل بعدًا يتجاوز إيران وحدها. فهذا الميناء يشكّل بوابة حيوية للدول الحبيسة في آسيا الوسطى، الساعية إلى منفذ بحري مستقل بعيدًا عن المسارات التقليدية الخاضعة للهيمنة الغربية. وبهذا المعنى، لا يعمل تشابهار كميناء تجاري فحسب، بل كنقطة التقاء بين المسار البري والمسار البحري، ومركز ثقل في إعادة توجيه حركة التجارة والطاقة عبر البر الآسيوي، بدل الاكتفاء بالطرق البحرية التقليدية.
اقتصاديًا، يمنح هذا الدور إيران فرصة نادرة لتحويل العقوبات إلى حافز لإعادة التموضع، من خلال تنويع منافذ التصدير وتعزيز دورها اللوجستي. أما جيوسياسيًا، فإنه يضعها في قلب معادلة الصراع بين نموذجين متناقضين: النموذج الأمريكي القائم على السيطرة البحرية، والنموذج الصيني الذي يسعى إلى بناء قوة برية عابرة للحدود.
القلق الأمريكي من دور إيران في المحاور
من هنا يمكن فهم القلق الأمريكي المتزايد تجاه المشروع، والذي لا يُترجم فقط في الخطاب السياسي أو العقوبات، بل في الحضور العسكري الكثيف بالمنطقة. فتحركات حاملات الطائرات الأمريكية، مثل “يو إس إس أبراهام لينكولن”، لا تهدف بالضرورة إلى إشعال حرب مباشرة، بقدر ما تعكس محاولة لإعادة فرض منطق الردع، ومراقبة التحولات اللوجستية، وجمع المعلومات حول مسارات الطاقة والبضائع التي قد تُضعف النفوذ الأمريكي التقليدي.
الصين، في المقابل، ترى في هذا الطريق ضمانة استراتيجية طويلة الأمد، تتيح لها تأمين احتياجاتها من الطاقة، وتوسيع أسواقها، وبناء شبكة نفوذ هادئة لا تعتمد على القواعد العسكرية بقدر ما تعتمد على البنية التحتية والاعتماد المتبادل. وبين هذين النموذجين، تتشكل معركة غير معلنة عنوانها الحقيقي “حرب المسارات”.
الدول المستفيدة من إنجاح المشروع لا تقتصر على الصين وإيران وحدهما، بل تشمل الدول الواقعة على امتداد الطريق، من آسيا الوسطى إلى تركيا وأوروبا، والتي ترى في هذه الشبكة فرصة للخروج من التهميش الجغرافي والاقتصادي. في المقابل، فإن القوى التي تسعى إلى تعطيله هي تلك المستفيدة من بقاء النظام التجاري العالمي على صورته التقليدية، حيث تمر التجارة والطاقة عبر ممرات خاضعة للرقابة الغربية.
خاتمة
في المحصلة، لا تمثل إيران مجرد محطة في طريق الحرير الجديد، بل تمثل العقدة التي يتوقف عليها نجاح المشروع أو تعثره. فإما أن تتحول موانئها ومساراتها البرية إلى جسور تعبر بها المنطقة نحو نظام عالمي أكثر تعددية، أو تبقى ساحة تماس مفتوحة بين القوى الكبرى، بما يحمله ذلك من مخاطر فتح “صندوق باندورا” ــ (في إشارة إلى الأسطورة الإغريقية التي ترمز لجلب الشرور والمصائب غير المتوقعة نتيجة الفضول أو التصرف المتهور) ــ لتوترات قد تتجاوز حدود السيطرة، وتعيد رسم خريطة النفوذ العالمي من جديد.