مع دخول شتاء عام 1404 هـ. ش. (ديسمبر 2025م / يناير 2026م)، وجدت إيران نفسها أمام موجة احتجاجات مختلفة في طبيعتها ومسارها عن سابقاتها، بحيث إنها لم تنطلق هذه المرة من الهوامش أو من مطالب فئوية محدودة، بل من قلب السوق التقليدية في طهران، بما تحمله هذه السوق من رمزية اقتصادية وسياسية عميقة في التاريخ الإيراني الحديث.
ففي ظل انهيار غير مسبوق لقيمة الريال، وتصاعد الضغوط المعيشية، وتراكم أزمات ما بعد الحرب والعقوبات والجفاف، تحولت أزمة الاقتصاد سريعًا إلى اختبار شامل لبنية الحكم وآليات إدارته للصراع الاجتماعي.
وبين تمدد الاحتجاجات جغرافيًا نحو المدن الحدودية والمناطق المهمشة، وتحوّل تركيبتها الاجتماعية نحو الفئات الأكثر هشاشة، واعتماد الدولة أدوات جديدة للضبط الرقمي بدل القمع التقليدي، تتبلور ملامح مرحلة مختلفة من عدم الاستقرار، تفرض إعادة قراءة معمّقة لما يجري في إيران، ليس بوصفه حدثًا عابرًا، بل كمؤشر على تحولات أعمق في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إيران على حافة الصدع.. شتاء طهران الساخن
بدأ شتاء عام 1404 (2025م) بالنسبة للإيرانيين بقسوة البرد، جنبا إلى جنب مع توتر غير مسبوق في السوق، فقبل أيام قليلة فقط من انطلاق عام 2026 الميلادي، شهدت شوارع طهران وعشرات المدن الإيرانية الأخرى موجة جديدة من الاحتجاجات، يصفها كثيرون بـ”انتفاضة المعيشة”.
ولقد انطلقت شرارة هذه الاحتجاجات من القلب النابض للاقتصاد التقليدي، أي السوق الكبير (بالفارسیة: بازار بزرگ) في طهران، حيث أقدم التجار على إغلاق محالهم احتجاجًا على الانهيار التاريخي لقيمة الريال، ووصول سعر الدولار إلى حدود 1.5 مليون ريال.
غير أن الشعارات هذه المرة سرعان ما تجاوزت مسألة “غلاء الأسعار” لتستهدف مجمل البنية السياسية، فإيران اليوم تقف عند تقاطع أزمات ما بعد الحرب، والجفاف المزمن، والانسداد الدبلوماسي، وهو ما أوصل المجتمع إلى نقطة الغليان.
الجذور الاقتصادية للغضب.. انهيار الريال وصدمة ما بعد الحرب
يمكن اعتبار التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية هو المحرّك الرئيسي للاحتجاجات الجارية، خاصة أن هذا التدهور تسارع بشكل مدمّر بعد المواجهات التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025 (خرداد 1404 هـ. ش.)، فالتضخم، الذي تجاوز وفق تقديرات غير رسمية حاجز 60 في المئة، قلّص موائد الطبقة الوسطى والطبقة العاملة إلى أدنى مستوى لها خلال العقود الأربعة الماضية.
كما أن الانهيار الحر للريال في شهر ديسمبر، ووصوله إلى رقم قياسي بلغ 1.46 مليون ريال مقابل كل دولار أمريكي، لم يشل فقط القدرة الشرائية للمواطنين، بل بدّد أيضًا ما تبقى من ثقة تجار السوق في سياسات سعر الصرف التي تنتهجها حكومة مسعود بزشكيان.
ويرى محللون اقتصاديون أن اختلال الموازنة، والنقص الحاد في الطاقة (الكهرباء والغاز)، واستمرار العقوبات الشاملة، وضعت الحكومة في موقع لا تملك فيه عمليًا أدوات فعالة لكبح التضخم.
وفي هذا السياق، سرعان ما امتدت احتجاجات تجار سوق طهران إلى فئات مهنية أخرى وإلى الطلاب، بما عكس أن الضغط الاقتصادي بلغ مرحلة لم يعد حتى أكثر شرائح المجتمع تقليدية ومحافظة قادرة على التزام الصمت إزاءها.
تغير الجغرافيا الاحتجاجية من المدن الكبرى إلى المدن الحدودية
إحدى السمات الفارقة لاحتجاجات شهر دي 1404 هـ. ش. (ديسمبر 2025م) هي اتساع رقعتها الجغرافية وحدّتها في المدن الصغيرة والمناطق المحرومة، وهو ما يمنحها طابعًا فريدًا، فعلى خلاف حركة “المرأة، الحياة، الحرية” عام 1401 هـ. ش. (2022م) التي تمحورت بدرجة كبيرة حول طهران والمدن الكبرى، تشير التقارير الأخيرة إلى اندلاع مواجهات عنيفة في محافظات مثل إيلام وكرمانشاه ولورستان وسيستان وبلوشستان.
وفي مدن مثل “ملکشاهي” و”آبدانان” في محافظة إيلام، رافقت الاحتجاجات مستويات غير مسبوقة من العنف، وتفيد تقارير منظمات حقوق الإنسان بمقتل أكثر من 35 شخصًا في عموم البلاد حتى تاريخ 17 دي (الأربعاء 7 يناير 2026م).
أما الفارق الجوهري الآخر في هذه المرحلة، فيكمن في الحضور الأبرز للطبقة العاملة و”الفئات الدنيا”، التي – بخلاف النخب – لا تملك ما تخسره، وقد أدى هذا التحول في التركيبة الاجتماعية للاحتجاجات إلى طابع أكثر عنفا وصدامية، بل واقتربت المواجهات مع القوات الأمنية في بعض المناطق من مستوى حروب الشوارع.
الحرب الرقمية.. إستراتيجية “هندسة التعطيل” بدل القطع الكامل
في مجال التكنولوجيا والرقابة، اعتمدت السلطات الإيرانية نهجًا جديدًا، فعلى عكس ما جرى في شهر آبان 1398 هـ. ش. (نوفمبر 2019م) حين قُطع الإنترنت بشكل كامل، تلجأ السلطات هذه المرة إلى سياسة “التخريب المُهندَس”، إذ جرى تقليص السعة الدولية للإنترنت بشكل حاد، ونُفذت هجمات موجهة على البنى التحتية عطّلت الحياة الرقمية للمواطنين.
ويُرجّح أن عاملين حالا دون الإقدام على قطع الإنترنت كليًا:
أولهما: الاعتماد الشديد لمعيشة الناس والاقتصاد الصغير على شبكة الإنترنت، بما أن قطعها قد يشعل احتجاجات اقتصادية أوسع.
ثانيهما: انتشار محطات الإنترنت الفضائي (ستارلينك) داخل إيران، فالدولة باتت تدرك أن الإغلاق الكامل للشبكة الوطنية لن يؤدي إلا إلى هجرة جماعية للمستخدمين نحو منصات فضائية غير قابلة للسيطرة.
ومع ذلك، لم تمنع اضطرابات الإنترنت من انتشار مقاطع فيديو صادمة تُظهر اقتحام القوات الأمنية للمستشفيات – مثل مستشفى الخميني في إيلام أو مستشفى سينا في طهران – لاعتقال متظاهرين مصابين.
الانسداد السياسي والتهديدات الدولية.. صدى صوت ترامب في خلفية الضجيج
في الوقت الذي يتعمق فيه داخل البلاد الشرخ بين جسم الحكومة، الذي يميل إلى الحوار، وبين المؤسسات القضائية والعسكرية، التي تصر على الحسم الأمني، يشهد المشهد الدولي بدوره تصعيدًا حادًا ضد طهران، ومع دخول عام 2026، بات خطاب واشنطن تجاه التطورات في إيران أكثر تشددًا من أي وقت مضى.
وتُعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها ليندسي جراهام وترامب نفسه، بشأن احتمال اللجوء إلى عمل عسكري في حال القمع الواسع للمتظاهرين، خطوة غير مسبوقة أضافت طبقة جديدة من التعقيد إلى الوضع القائم.
وتجد حكومة مسعود بزشكيان، التي وصلت إلى السلطة بشعار “الوفاق الوطني”، نفسها اليوم عالقة بين سندان المطالب الشعبية ومطرقة الضغوط الخارجية وتيارات التشدد الداخلي، وهي تخوض أكبر اختبار في مسيرتها حتى الآن، عند مفترق حاسم، حيث إن عبور هذه المرحلة بحد ذاته يمثل تحديًا أشد خطورة.
فقد شدد الرئيس في تصريحاته الأخيرة على أن الاستماع إلى صوت الشعب هو أساس الحكم، في حين وصف رئيس السلطة القضائية المتظاهرين بـ”المخرّبين” وطالب بالتعامل معهم بلا أي تساهل.
ولعل هذا التباين داخل دوائر الحكم هو الذي شجّع المحتجين في الشارع على رفع أسقف مطالبهم من الاقتصاد إلى جوهر الحكم نفسه، إذ يشعرون بأن النظام متردد في تبني إستراتيجية موحدة إزاء التعامل مع مثل هذه التحديات.
خاتمة.. هل تم تجاوز نقطة اللاعودة؟!
تعكس هذه الاحتجاجات دخول إيران إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، فإذا كانت الاحتجاجات في السنوات الماضية تأتي على شكل موجات متقطعة، فإن المجتمع الإيراني يبدو اليوم وكأنه يعيش حالة “احتجاج مستمر” يتغير شكله دون أن يتوقف.
كما أن اقتران مطلب “المعيشة” بـ”التوق إلى الحرية” جعل من هذه الانتفاضة أحد أخطر التحديات التي واجهتها البلاد خلال العقود الأخيرة، كما أن الرأي العام ينظر اليوم إلى طبيعة هذه الأحداث وزخمها بنظرة مختلفة، ومعها تحمل آمال الجيل الشاب في إيران ملامح جديدة للتغيير.
وفي هذا السياق، تبدو إمكانية التحول وتحقيق الديمقراطية أقرب وأكثر احتمالًا من أي وقت مضى، ومن ثمّ، تقف السلطة اليوم أمام مفترق طرق مصيري: إما الشروع في جراحات اقتصادية مؤلمة وانفتاحات سياسية قد تفضي إلى تغييرات جذرية، أو الاستمرار في نهج القمع، الذي لا توجد في ظل التكنولوجيا الحديثة والضغوط الدولية الخانقة أي ضمانات لنجاحه على المدى الطويل.
وما هو مؤكد أن إيران شتاء 1404 هـ. ش. (ديسمبر 2025م / يناير 2026م) لن تعود إلى ما كانت عليه قبل انهيار الريال، والسؤال الكبير الآن هو: هل تقف إيران على أعتاب مفاجأة تاريخية كبرى؟!