يقف الإقليم الآن أمام لحظات حرجة وغامضة للغاية، فبينما تتأهب إسرائيل لشن حرب جديدة على لبنان، فإن التقديرات المتواترة عن قرب الهجوم على إيران مجددا تراجعت، خاصة أن هجوم الثالث عشر من يونيو لعام 2025م، لم يحقق الأهداف التي كانت إسرائيل تستهدفها عند الشروع في الحرب.
ملخص هذه الأهداف غير المتحققة أن النظام الإيراني لم يسقط وأن الدولة لم تتفكك وأن البرنامج النووي الإيراني لم يتم تدميره وأن نتنياهو لم ينجح في جر ترامب إلى حرب طويلة مع إيران.
فقد كان كل ما تحقق هو مجرد 45 دقيقة من القصف الأمريكي على 3 مواقع نووية إيرانية، وبذلك يمكن القول إن فصل الصراع بين إيران وإسرائيل ما زال مفتوحا نعم، وأن احتمالات عودة الحرب لم تتراجع كليا، غير أنها أفسحت المجال لطريقة تفكير جديدة قد تكون هي الطريق الأنجع لوضع حد للتوتر بين طهران وواشنطن.
بالنسبة للولايات المتحدة، فقد هاجمت البرنامج النووي الإيراني، وتسببت في أضرار جسيمة من دون شك، لكنها لم تنهِ قدرة إيران على إعادة بناء مفاعلاتها، لاسيما أنها الآن في مرحلة الغموض النووي، إذ لا يزال من غير المعروف مصير الـ400 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب والذي تتحرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية شوقا لمعرفة مصيره.
غير أن هناك تباينا في وجهات النظر لدى كل من طهران وواشنطن حول نتائج حرب الإثني عشر يوما، فترامب يصرح دائما أن إيران قد هزمت وينبغي عليها القبول بشروطه، بينما تعدها إيران استسلاما مذلا غير مقبول، وهي في أعماقها لا تعتقد أنها هُزمت، إذ تتصور أن وابل صواريخها على إسرائيل كان كافيا لإجبار كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على التوقف وإعادة التفكير قبل مهاجمتها مرة أخرى، وأنها نجحت في إحباط كل ما كان نتنياهو يخطط له قبيل الشروع في تلك الحرب.
وتعتقد إيران كذلك أن الولايات المتحدة، في نهاية المطاف، أمام خيارين فيما يخص البرنامج النووي الإيراني والـ400 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وهما، إما العودة إلى الحرب وهو خيار ثبت أنه غير كاف لحل المشكلة النووية، أو الدخول في مفاوضات مع إيران.
هنا أصبح من الواضح أن لدي الطرفين قناعة بأن الحوار هو المسار الأفضل للوصول إلى تسوية الحل النهائي لهذه المعضلة، ويبدو أن التطبيع الكامل غير وارد في ظل التعقيدات الداخلية والخلافات الجوهرية بين معسكري الإصلاحيين والمحافظين حول طريقة التفاوض مباشرة كانت أم غير مباشرة.
فمن يتابع مسار العلاقات الأمريكية ــ الإيرانية يدرك أن السؤال لم يعد: هل يتصالح الطرفان؟ بل: كيف سيتعايشان؟ فالعهد الذي كانت فيه واشنطن قادرة على هندسة الشرق الأوسط من دون أخذ طهران في الحسبان قد انتهى، والعهد الذي كانت فيه إيران تحتمي من كل شيء خلف محور المقاومة بدأ هو الآخر يتغير.
هنا من الممكن أن تتشكل مساحة جديدة لا هي صلح كامل ولا هي قطيعة كاملة، بل ما يمكن وصفه بـ”التطبيع الوظيفي”، وهو ذلك النوع من العلاقات الذي لا يحتاج إلى سفارة كي يعمل، ولا إلى مصافحة علنية كي يغير الوقائع على الأرض.
وفي ظل التحولات المتسارعة في العالم والإقليم، يبرز مفهوم “التطبيع الوظيفي” كخيار أقل مخاطرة وأكثر قابلية للحياة، فواشنطن لا تريد أن ترفع الأعلام فوق سفارتها في طهران، ولا طهران مستعدة لأن تجعل من واشنطن شريكا معلنا.
لكن كلا من الطرفين مستعد ــ وربما يكون مضطرا ــ للتفاهم حول ما هو أهم، وهو منع التصعيد في الإقليم، وضبط إيقاع الصراع في العراق وسوريا ولبنان، وإيجاد تفاهمات صامتة حول أمن الطاقة، وفتح هوامش اقتصادية تسمح لإيران بالتنفس من دون أن تبدو أمريكا وكأنها قدمت هدية سياسية مجانية لهذه البلاد التي تئن بالفعل تحت وطأة العقوبات.
ولعل ما يفعله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في باريس هو أقرب إلى صفقة طويلة الأمد، تكون فيها الإدارة الفرنسية عرابة لصفقة بلا إعلان ولا بروتوكول، بينما تستهدف منع الانفجار في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع الأدوار من دون ضجيج، والسماح لأمريكا بأن تتفرغ لمعادلتها الكبرى مع الصين، خاصة بعد التسوية المحتملة للحرب الروسية ــ الأوكرانية وإرضاء بوتين تماما بهذه الصفقة غير المقبولة أوروبيا، وهنا يمكن لطهران أن تتنفس الصعداء لمعالجة أوجه القصور ونقاط الضعف في نظامها من دون أن تستنزف قوتها في إدارة الأزمات.
صحيح أن لقاء ثنائيا مباشرا على مستوى وزيري الخارجية وفق صيغة عراقجي ــ روبيو، أو حتى وفق صيغة عراقجي ــ ويتكوف ليس في الأفق، لكن السيناريو الأكثر ورودا هو البحث عن مسار بطيء ــ لكنه ثابت ــ يستهدف خفض التصعيد والحد من منسوب العداء، ولعل هذا بالضبط هو جوهر مفهوم “التطبيع الوظيفي” المحتمل بين البلدين.

د. محمد محسن أبو النور يكتب لـ”المصري اليوم”: التطبيع الوظيفي المحتمل بين أمريكا وإيران
ـــــــــــــــــــ
نقلا عن صحيفة المصري اليوم: الرابط من هنا