إن ثقل ظل الحرب على طاولة المفاوضات ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو توصيف دقيق لبيئة سياسية وأمنية تتجاوز حدود التفاوض الفني إلى حافة الاشتباك الإستراتيجي الراهن خاصة بعد أن حشدت أمريكا قواتها العسكرية استعدادا لعمل عسكري ضخم ضد إيران.
فعلى الرغم من الروايات المتباينة الإيجابية منها والسلبية بشأن مسار المحادثات بين طهران وواشنطن، وما يؤكده الطرفان من أن تفاصيل كثيرة ما زالت بحاجة إلى نقاش، وإن على العاصمتين في البلدين حسم بعض النقاط الخلافية، فإن طبيعة تلك التفاصيل ذاتها تطرح سؤالا جوهريا حول مدى واقعية السقوف الزمنية التي تطرح علنا سواء من جانب الرئيس ترامب أو من جانب المرشد الإيراني علي خامنئي.
فالاتفاقات المرتبطة بالملف النووي الإيراني ليست بيانات سياسية عامة، بل نصوص تقنية معقدة تتشابك فيها الاعتبارات القانونية والفنية والرقابية والاقتصادية، كما أثبتت تجربة العام 2015 حين تم التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة Joint Comprehensive Plan of Action أو الاتفاق النووي التي استغرقت سنوات من المفاوضات المتدرجة قبل أن ترى النور، ومن ثم، فإن الحديث عن اتفاق خلال شهر وفقا لرغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يعكس فقط رغبة في التسريع، بل يوحي بتباين عميق في تصور طبيعة العملية التفاوضية نفسها، خاصة مع نظام مثل النظام الإيراني يفضل التمهل والصبر الإستراتيجي للحصول على المكاسب من خصومه على الطاولة.
هذا التباين يتضح أكثر عند قراءة الخطاب السياسي الأمريكي، وخصوصا تصريحات الرئيس الأمريكي التي تجمع بين الرغبة في اتفاق سريع والتحذير من عواقب صادمة للغاية إذا لم يتحقق الاتفاق، وقد أعلن أنه لن يغادر البيت الأبيض في عطلة نهاية هذا الأسبوع وسيبقى في مكتبه ليكون قادرا على اتخاذ القرار السياسي في الوقت الذي يراه هو مناسبا.
إذن وفق الصورة البانورامية الراهنة فإن الجمع بين الإطار الزمني الضيق والتهديد الضمني يضع العملية التفاوضية تحت ضغط غير اعتيادي، ويحوّلها من مسار بحثي تدريجي إلى سباق مع الزمن، وفي مثل هذه الأجواء، لا يعود السؤال مقتصرا على مضمون التنازلات الممكنة، بل يمتد إلى طبيعة الإرادة السياسية نفسها: هل المقصود دفع الطرف الإيراني إلى قبول صيغة محددة مسبقاً، أم أن واشنطن ترى فعلاً أن عنصر الزمن يعمل ضد مصالحها، بما يستدعي حسم الملف بسرعة؟!
الإجابة أن البيت الأبيض لا يريد أن يمنح الباستور وقتا لكسب الوقت ولا لإطالة أمد تمركز القوات الأمريكية التي يتكلف مجرد تموضعها الإستراتيجي الراهن قبالة السواحل الإيرانية عشرات ملايين الدولارات يوميا.
ويزداد هذا التساؤل إلحاحا مع التطورات الميدانية، فتعزيز الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة لا يمكن عزله عن سياق المفاوضات، صحيح أن الحشد العسكري قد يُقرأ بوصفه أداة ردع كلاسيكية ضمن مقاربة “السلام عبر القوة”، أي خلق بيئة ضغط قصوى لانتزاع تنازلات تفاوضية، غير أن مستوى الجاهزية الذي تشير إليه التقارير الإعلامية يوحي بأن الخيار العسكري ليس مجرد ورقة تفاوضية بل احتمالاً قائماً بذاته.
وهنا ينبغي التمييز بين القدرة والقرار، فامتلاك القدرة على تنفيذ ضربة لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار الحرب، لكنه في الوقت نفسه يغيّر ميزان التوقعات ويجعل التهديد أكثر صدقية في حسابات الطرف المقابل، خاصة أن أطرافا عربية وإقليمية تدخلت لدى الجانبين وأقنعت الإيرانيين أن عليهم أن يأخذوا تصريحات الرئيس ترامب على محمل الجد وأن ينظروا ماذا فعل الرجل حتى مع أحلف حلفائهم خاصة في أزمة جرينلاند.
إن المقارنة مع مسارات تفاوضية سابقة، ولا سيما ما جرى في ربيع وصيف 2025، تضيف بعدا تحذيريا إلى المشهد، فالتشابه في الخطاب من حيث الإيحاء بقرب الاتفاق مقابل تصاعد المؤشرات الميدانية يثير مخاوف من تكرار نمط انتهى حينها إلى مواجهة عسكرية محدودة، غير أن التحليل المنهجي يقتضي الحذر من إسقاط الماضي على الحاضر دون تفكيك عناصر السياق، والإجابة عن مروحة من الأسئلة: ما هو وضع الإدارة الأمريكية داخليا؟ كيف تبدو مواقف الحلفاء الأوروبيين؟ ما حدود التحمل الإقليمي لتصعيد واسع؟ إن اختلاف هذه المتغيرات قد يفضي إلى نتائج مغايرة حتى لو بدا المشهد متشابها ظاهريا لما دار في الخبرات السابقة.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة لا ترغب في اتفاق، لكن المؤشرات الحالية توحي بأنها لا تبدو مستعدة لمسار تفاوضي طويل ومفتوح، إذ إن ثمة ميل واضح إلى اختصار الزمن، وتكثيف أدوات الضغط، ورفع سقف الردع إلى مستوى يجعل البديل عن الاتفاق مكلفاً بصورة قصوى.
ولعل هذه المقاربة قد تثمر اتفاقا سريعا ومحدودا، لكنها في المقابل ترفع احتمالات سوء التقدير إلى غاية المدى، إذ إن تراكم الضغط العسكري والنفسي في بيئة إقليمية متوترة قد يحول أداة الردع إلى شرارة اشتعال، وبين الدبلوماسية والحرب تقف المنطقة اليوم في مساحة رمادية ضيقة، حيث لا يحسم المسار بما يقال على طاولة المفاوضات فحسب، بل بما يحشد في محيطها من قوة واستعداد ونبرة تهديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نقلا عن مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم