تصاعدت حدة الاحتجاجات في عدة مدن إيرانية، والتي بدأت في 28 ديسمبر الماضي باحتجاجات تجار البازار (السوق)، وهي ما يُطلق عليها في الداخل فئة الطبقة المتوسطة التي ترتبط بمصالح قوية مع أجهزة السلطة في النظام الحاكم، ثم تلى ذلك مشاركة المعلمين وإعلان نقابة المعلمين دعمها للاحتجاجات، فيما انضم إليها طلاب الجامعات والقوميات غير الفارسية في عدة مدن، علاوة على لجوء المتظاهرين إلى الاعتداء على مقرات تابعة لقوات التعبئة الشعبية “الباسيج”، وإحراق واقتحام مؤسسات حكومية، كان أبرزها مقر التلفزيون الإيراني في مدينة أصفهان.
أسباب الأزمة
تضافرت عدة عوامل تسببت جميعها في تكبيد النظام الإيراني الكثير من الخسائر الفادحة التي أضرت بسمعته في الداخل والخارج، وتسببت في خروج الاحتجاجات في عموم المدن الإيرانية، وقد برزت تلك العوامل على النحو التالي:
1– تداعيات العقوبات على الأوضاع الاقتصادية الداخلية
تسببت العقوبات بالطبع في أزمة اقتصادية فادحة، حيث تعرض البازار لكساد كبير نتيجة التردي الاقتصادي في إيران، في أعقاب هبوط العملة الإيرانية (الريال) إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، بعد أن كشفت تقارير اقتصادية تحدثت عنها وكالة “تسنيم” التابعة للحرس الثوري، والتي أظهرت تراجع الريال أمام الدولار الأمريكي مسجلًا مليونًا و250 ألف ريال مقابل الدولار الواحد، وهو ما يكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية التي فشلت الحكومة الإيرانية في احتواء تداعياتها، علاوة على تعرض الاقتصاد الإيراني لمخاطر الركود، بعد توقعات البنك الدولي بشأن الاقتصاد الإيراني بتعرضه لانكماش بنسبة 2.8% في عام 2026.
ويزيد على ذلك ارتفاع معدل التضخم على أساس شهري ليصل إلى 48.6% في أكتوبر، وهو الأعلى على الإطلاق، وهو ما يشير إلى تزايد كبير في معدل أسعار السلع الغذائية الأساسية وكذلك الاستراتيجية منها، ما يؤثر بدوره على قدرة المواطن الإيراني على الوفاء بالاحتياجات الأساسية للأسرة.
2– إقرار موازنة غير مرضية
كشفت الموازنة الجديدة للعام الإيراني 1405، والتي من المتوقع أن تدخل حيز التنفيذ في شهر مارس المقبل، والمعروضة أمام مجلس الشورى الإسلامي الإيراني “البرلمان”، عن كارثة اقتصادية تمثلت في تعرض قطاع مبيعات النفط لانخفاض حاد في الإيرادات، وهو ما دعا الحكومة إلى الاعتماد على الإيرادات غير النفطية التي تأتي على رأسها الضرائب المفروضة على المواطنين، وهو ما قد يزيد من حدة الأعباء، ويضاعف من الضغوط التضخمية، ويؤدي بدوره إلى تراجع قدرة المواطنين الشرائية، وهو ما ينذر بكارثة اقتصادية لإحدى أكبر الدول النفطية.
وتشير لائحة الموازنة الإيرانية للعام الفارسي الجديد إلى أن الحكومة اعتمدت على خفض متوقع لإيرادات النفط بمعدل 70% بالمقارنة بموازنة العام المنصرم، خاصة مع تراجع موارد بيع المنتجات النفطية خلال العام الجاري إلى 275 ألف مليار تومان، أي ما يعادل 2 مليار دولار، مقارنة بما حققه نفس القطاع خلال موازنة العام الماضي والذي كان بمعدل 930 ألف مليار تومان، أي ما يوازي 7.44 مليارات دولار، إذ لجأت الحكومة إلى تعويض العجز من خلال زيادة نسبة الضرائب المفروضة على المواطنين والتجار.
تداعيات الاحتجاجات على بنية السلطة
بلا شك أن تلك الاحتجاجات أثرت على سمعة النظام في الداخل والخارج، غير أن ما يميزها عن سابقاتها من تجارب احتجاجية أن النظام الإيراني لا يمتلك الكثير من الخيارات المتاحة لاحتواء تصعيد المحتجين، أو تقديم محفزات اقتصادية من شأنها أن تشعر المواطن بتحسن ولو مؤقت لظروفه الاقتصادية، خاصة وأن الإجراء الذي لجأت إليه الحكومة بصرف معونة معيشية شهرية تُقدَّر بـ 7 دولارات، إلا أن هذا المبلغ الضئيل لا يكفي أسرة واحدة مكونة من 4–5 أفراد لمدة خمسة أيام على أقصى تقدير، وهو ما يضع الحكومة الإيرانية في امتحان صعب في ظل عدم قدرتها على احتواء الارتفاع المتتالي في نسب التضخم سواء على أساس شهري أو سنوي.
وعلى الرغم من دعوات الرئيس الإيراني المحسوب على التيار الإصلاحي مسعود بزشكيان بضرورة احتواء المتظاهرين والنظر في مطالبهم، إلا أن أصواتًا في المؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري والباسيج، علاوة على قيادات السلطة القضائية المحسوبين على التيار المتشدد، اتهموا المتظاهرين بتعمد تخريب البلاد، ووصفوهم بأنهم يعملون على تنفيذ أجندات تخريبية أجنبية، خاصة بعد إعلان وسائل إعلام إسرائيلية أن عناصر من الموساد تسير وسط المتظاهرين وتشعل فتيل الأزمة، علاوة على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دعمه للمتظاهرين.
وقد كشفت تلك الاحتجاجات عن تصدع في بنية النظام واختلاف واضح في وجهات النظر فيما يتعلق بطبيعة التعاطي مع الأزمة، إذ يرى المحسوبون على التيار الإصلاحي، وفي مقدمتهم الرئيس، أن مطالب المحتجين عادلة ويجب النظر فيها، فيما يرى المحسوبون على التيار المتشدد والمسؤولون الأمنيون ضرورة التعامل الحازم والحاسم مع المتظاهرين على غرار عملية الاحتواء الأمني لتظاهرات مهسا أميني عام 2022، ومن قبلها تظاهرات البنزين.
مستقبل الأزمة
في كل حركة احتجاجية تخرج في شوارع إيران يكون دائمًا الحل الأمني هو الحل الأمثل بالنسبة للنظام، وهو الحل المتمثل في إطلاق يد قوات التعبئة الشعبية “الباسيج” لوقف تلك التظاهرات، وملاحقة المتظاهرين بتهمة “الإفساد في الأرض” أو “العمالة للكيان الصهيوني”، وهي تهم تقود إلى الحكم بالإعدام، وبالتالي فإن الخيار الأمني دائمًا ما يكون هو الوسيلة المثلى في تعامل النظام الإيراني مع المحتجين أيا كانت مطالبهم.
وقد يساعد على ذلك الدعم العلني من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لاستمرار تلك التظاهرات التي أثرت على بنية النظام الإيراني اقتصاديًا وأمنيًا، ووضعت المتظاهرين المطالبين بتحسين أوضاعهم الاقتصادية في بوتقة العملاء الممولين من واشنطن وتل أبيب، واللتين سبق أن هاجمتا العمق الإيراني في حرب الاثني عشر يومًا في شهر يونيو الماضي.
وقد عمقت الاحتجاجات الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب التي خاضها النظام ضد إسرائيل وتكبد بسببها تكلفة عالية في العتاد والأرواح، بعد نجاح إسرائيل في إصابة البرنامج النووي الإيراني بضربات قاصمة، علاوة على تدمير كبير تعرضت له البنية التحتية الإيرانية، فضلًا عن رغبة إيران في مضاعفة الإنفاق العسكري بعد تلك الحرب لتأمين الداخل من جولة جديدة قد تدور رحاها في القريب العاجل، وهو ما تسبب في مضاعفة تداعيات الأزمة الاقتصادية نتيجة صرف الأنظار عن تحسين الأوضاع الاقتصادية إلى معالجة القصور الدفاعي الكبير الذي كشفت عنه حرب الاثني عشر يومًا.
وقد برزت عدة تقارير نشرتها وسائل إعلام غربية عن تجهيز بيت القيادة لخروج المرشد الأعلى علي خامنئي من البلاد إلى روسيا، وهو ما كشفته بعض المواقع الإخبارية الغربية التي نقلت أنباء تشير إلى أن طائرات النقل العسكرية الروسية من طراز “إل-76” قامت بسلسلة رحلات جوية كثيفة بشكل غير معتاد إلى طهران منذ أواخر ديسمبر الماضي، وذلك مع انتشار الاحتجاجات على مستوى البلاد في جميع أنحاء إيران، وهو ما اعتبره مراقبون تجهيزًا لنقل المرشد إلى روسيا إذا ما تعرض النظام للسقوط، غير أن تلك التقارير تفتقد الدقة ولا تعدو كونها حربًا دعائية تشنها الدول الغربية على إيران وبيت قيادتها.
خاتمة
مع غياب البدائل الاقتصادية للخروج من الأزمة التي تعاني منها إيران نتيجة العقوبات الصارمة المفروضة عليها من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وأخيرًا العقوبات المفروضة بموجب آلية “سناب باك”، تبرز الحاجة إلى ضرورة وجود تسوية مع الولايات المتحدة الأمريكية تتعلق باستئناف المفاوضات حول تفكيك البرنامج النووي الإيراني مقابل تعليق بعض العقوبات، بما يسمح للاقتصاد الإيراني بالتحرر من الاختناق الذي يتعرض له. وقد برزت في هذا السياق زيارة وزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي إلى طهران، والتي اعتبرها البعض تحمل رسالة من واشنطن إلى طهران تتعلق بمصير المفاوضات، وهي الرسالة التي – إن صحت – فعلى إيران أن تستقبلها استقبالًا إيجابيًا.
تبرز الحاجة إلى ضرورة اتخاذ قرار من أعلى سلطة في إيران بمراجعة موازنة العام المالي الجديد بما يحقق ولو جزءًا من تطلعات الشعب الإيراني، خاصة وأن تلك الموازنة تعكس ترسيخًا لدولة الجبايات وضرائب الطاقة، أو ما يعرف في الأوساط الاقتصادية بتعويض العجز في إيرادات الصادرات النفطية عبر الضغط المجتمعي الداخلي، وهو ما قد يتسبب في انفجار لا يستطيع النظام تحمله ولا تحمل تبعاته.
يزيد من حدة أزمة تلك التظاهرات أنها بلا رأس أو قيادة تنظمها، وبالتالي فإنها قد تتسبب في حالة من الفوضى التي قد تصل في مرحلة من مراحلها إلى فشل النظام في السيطرة عليها، وهو ما قد يتسبب في إطالة أمد تلك الأزمة، وهو ما يتسبب بالتبعية في مزيد من الاحتقان المجتمعي ضد النظام من جانب، وانهيار اقتصادي يضاعف من حدة الأزمة نتيجة توقف عجلة الإنتاج في قطاعات مختلفة.
سيكون الحل الأمني هو الحل الأمثل بالنسبة للنظام إذا استمرت حدة تلك التظاهرات، وهو الحل الذي يعكس نفاد الخيارات المتاحة أمام النظام لاحتواء المتظاهرين سلميًا، في ظل عدم قدرة النظام على تقديم بدائل من شأنها أن تخفف من حدة تلك الاحتجاجات. لكن في كل الأحوال تشكل تلك الاحتجاجات خطرًا محدقًا على مستقبل النظام الإيراني سياسيًا وتقلل من مدة استمراره.