دخلت الاحتجاجات التي عمت نحو 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية، يوم الجمعة 2 يناير 2026م، يومها الخامس، بعد أن اندلعت شرارتها الأولى من داخل بازار (بالعربية: السوق) العاصمة طهران يوم الأحد 27 ديسمبر 2025م، وتكمن أهمية هذا التوقيت والمكان في كونهما يعيدان إلى الواجهة علامات استفهام أعمق تتجاوز البعد المعيشي الآني، والأزمات الاقتصادية الخانقة، وتمس بنية النظام السياسي ــ الاجتماعي الإيراني ذاته.
فميدانيا، خرج المتظاهرون صباح الجمعة 2 يناير 2026م، في مدن عدة، من بينها نهاوند، ولردغان، وقم، وفارسان، ومرودشت، ومشهد، وأراك، وكوار، وهرسين، وكرمانشاه، وطهران، وإسلامآباد غرب، ونورآباد في محافظة لرستان، بما يعكس اتساعا جغرافيا لا يمكن التعامل معه بوصفه حراكا محدودا في العاصمة طهران أو في دائرة المدن الفارسية التاريخية التي غالبا ما تشكل نواة لأي انفجار اجتماعي مماثل.
غير أن التطور الأخطر في هذا السياق تمثل في التصريحات المباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لوح عبر حسابه الشخصي في منصة “تروث سوشيال” بإمكانية تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لما وصفه بـ”إنقاذ المحتجين” في حال استخدام العنف ضدهم من جانب قوى الأمن الداخلية في البلاد، ولعل هذا التصريح، بما يحمله من تهديد ضمني باستخدام القوة، نقل الاحتجاجات من إطارها الداخلي إلى حافة التدويل العلني وانتقال هذا التدويل من البعد الاستخباراتي الأمريكي والإسرائيلي، إلى البعد الرسمي على لسان رئيس الولايات المتحدة، وأعاد إنتاج نمط أمريكي مألوف في التعامل مع الأزمات الداخلية لدول الخصوم، خاصة إيران في الشرق الأوسط وفنزويلا في أمريكا اللاتينية.
ثم جاء الرد الإيراني الرسمي سريعا ومتعدد المستويات، فقد حذر أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني من أن أي تدخل أمريكي سيؤدي إلى “فوضى عارمة في المنطقة وتدمير المصالح الأمريكية”، مؤكدًا أن السلطات تميز بين الاحتجاجات المطلبية المشروعة والعناصر التخريبية، وموجها رسالة ردع مباشرة إلى الوجود العسكري الأمريكي في الإقليم.
أخذا في الاعتبار أن السلطات الإيرانية كانت قد ألقت القبض يوم الخميس 1 يناير 2026م، على 30 شخصا في العاصمة طهران وحدها بتهمة “الإخلال بالنظام العام”، وفق ما أفادت وكالة أنباء تسنيم، وقد لقي سبعة أشخاص على الأقل حتفهم في أولى حالات الوفيات التي يتم تسجيلها بين قوات الأمن والمحتجين، حسبما ذكرت السلطات، في حين أعلنت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني أن السلطات ستجري حوارا مباشرا مع ممثلي النقابات والتجار، لتفادي تفجر الوضع في البلاد.
ثم شدد المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي على أن الإيرانيين سيحلون مشكلاتهم داخليا، رافضا أي تدخل خارجي، ولجأ علي شمخاني مستشار المرشد الإيراني وهو العربي الوحيد في مصفوفة النظام الإيراني الراهن، إلى التهكم السياسي باستدعاء “تجربة الإنقاذ الأمريكي” في العراق وأفغانستان وغزة.
الملاحظة الأعمق هنا ــ وربما الأكثر خطورة على المدى المتوسط ــ تتمثل في أن هذه الاحتجاجات انطلقت من البازار الإيراني، وهو الفاعل الاقتصادي ــ الاجتماعي الذي شكل تاريخيا أحد أعمدة التحالف مع المؤسسة الدينية منذ ما قبل ثورة 1979م.
ويوحي هذا المعطى بأن العلاقة التقليدية بين الدين والمال في إيران تتعرض لتآكل بنيوي، بفعل الضغوط الاجتماعية الهائلة التي أفرزتها العقوبات الأمريكية والدولية، وانعكاساتها المباشرة على الطبقة التجارية التي كانت، لعقود طويلة مضت، حائط الصد الاجتماعي للنظام ومموله في أغلب تحركاته الداخلية.
وفي المقابل، حاولت الدبلوماسية الإيرانية تفعيل الذاكرة التاريخية الجمعية، عبر استدعاء سجل التدخلات الأمريكية في إيران، من نهب الثروات في عهد الشاه، إلى الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953 في عملية “أجاكس”، بما يعكس إدراكا رسميا بأن الصراع الجاري ليس فقط صراع خبز وعملة، بل صراع سرديات وذاكرة سياسية.
ويكتسب التوقيت دلالة إضافية، إذ اندلعت الاحتجاجات في اليوم نفسه الذي شهد انهيارا غير مسبوق للعملة الإيرانية، حيث تجاوز سعر الدولار مليونا و450 ألف ريال، وهو اليوم ذاته الذي شهد انطلاق احتجاجات ديسمبر 2017م، ويفتح هذا التزامن الباب داخل العقل الإيراني على تأويلات تتعلق بإمكانية وجود عامل خارجي محفز لانفجار السوق والمجتمع، حتى وإن ظل ذلك في إطار الشك السياسي غير المثبت برغم تطابق الزمان في الحالتين.
إستراتيجيا، تشير المؤشرات إلى أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى ما يمكن تسميته بالـ”معادلة صفر” إذا ما تحول التهديد الأمريكي إلى فعل عسكري مباشر، أي الرد الشامل باستخدام أوراق الضغط الإقليمية كافة، كما أن التجارب التاريخية تؤكد أن أي تدخل عسكري خارجي من شأنه إعادة توحيد المجتمع الإيراني بمكوناته القومية والدينية المختلفة خلف النظام، بغض النظر عن مستوى السخط الداخلي على السياسات الخارجية الإيرانية التصادمية مع المجتمع الدولي والتي أدت إلى العقوبات التي بدورها أفرزت الوضع الاقتصادي المتردي الراهن.
في المحصلة، تقف إيران اليوم عند تقاطع خطير بين ضغط اقتصادي داخلي غير مسبوق، ومحاولات خارجية لاستثماره سياسيا، وما يزيد المشهد تعقيدا أن الحالة الإيرانية ــ كما أثبت التاريخ مرارا وتكرارا ــ قادرة دائما على إنتاج ما لا يمكن توقعه، سواء في حيز النظام أو في حيز خصومه.
ــــــــــــــــــــــــ
نقلا عن مركز الدراسات الإستراتيجية وتنمية القيم