منذ 28 فبراير 2026، دخلت إيران مرحلة غير مسبوقة من الانقطاع الرقمي الشامل، تزامنًا مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، جاءت الحرب في وضع داخلي كان مشحونًا أصلًا بالاحتجاجات الاقتصادية التي بدأت في ديسمبر 2025م والتي تعرف باحتجاجات البازار. هذا التزامن بين أزمة خارجية وضغط داخلي يفسر لجوء الدولة إلى محاولة التحكم الكامل في المعلومات. إلا أن ما يميز الحالة الإيرانية هنا ليس مجرد قطع الإنترنت، بل الاعتماد على بنية تحتية رقمية بديلة وهي “شبكة المعلومات الوطنية” وهي شبكة تم تطويرها على مدار سنوات، بما يسمح للنظام التحكم في المعلومات التي تتاح للإيرانيين وكذلك التحكم الكامل في سردية الحرب.
الحجب الشامل كآلية للتحكم في المجال السياسي:
لم يكن قرار قطع الإنترنت بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير إجراءً مفاجئًا، بل هو إجراء متكرر استخدمته الدولة خلال الكثير من الأحداث، كما حدث في نوفمبر 2019 بسبب الاحتجاجات التي عرفت آنذاك باحتجاجات آبان، ثم في يناير 2026 بعد زيادة حدة احتجاجات البازار التي بدأت في نهاية ديسمبر 2025م. هذه السوابق تشير إلى أن الحكومة اعتادت على الحجب وأنها تستخدمه حين ترغب في السيطرة على السردية الموجهة للداخل الإيراني.
استمرار الانقطاع لما يقارب 42 يومًا يمثل سابقة من حيث المدة، وهو ما يعكس إدراكًا لدى صانع القرار بأن سهولة الوصول للمعلومات خلال الحرب وخاصة من مصادر خارجية قد يؤدي مباشرة إلى سلوك احتجاجي، فالمعلومات يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوة داخل المجتمع وقد تؤدي إلى احتجاجات حول كيفية إدارة الحرب.
والأسوء أن الهدف أصبح التحكم في طريقة فهم الناس لما يحدث، فالمواطن الإيراني لم يعد لديه إمكانية الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات، بل يعتمد بشكل أساسي على الإعلام الرسمي فقط وبهذا، لا تكتفي الدولة بنقل الأخبار بل تصبح هي الجهة الوحيدة التي تحدد ما يُعرف وما يُفهم، وأدى هذا إلى أن كثير من الإيرانيين لا يدركون حجم الدمار أو تفاصيل الحرب، لأن مصادر المعلومات المتاحة لهم محدودة وموجهة.
شبكة المعلومات الوطنية كبديل للإنترنت العالمي:
تعتبر شبكة المعلومات الوطنية (National Information Network – NIN) حجر الزاوية في الاستراتيجية الرقمية الإيرانية، وقد بدأت فكرتها منذ عام 2005 داخل وزارة الاتصالات قبل أن يبدأ تنفيذها الفعلي في عام 2013، تحت إشراف المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، الهدف المعلن منها هو إنشاء بنية تحتية رقمية آمنة ومستقرة، إلا أن الهدف الحقيقي يكمن في تحقيق استقلال كامل عن الإنترنت العالمي والقدرة على الرقابة الشاملة على استخدام الإنترنت.
تعتمد هذه الشبكة على إبقاء حركة البيانات داخل الحدود الوطنية، من خلال مراكز بيانات محلية وإجبار الشركات على تسجيل عناوين IP داخل إيران. كما يتم تعريف المستخدمين عبر رقم الهاتف ورقم الهوية الشخصية، ما يخلق نظام تتبع شامل يربط استخدام الانترنت بالهوية الحقيقية، وهو ما يحد جذريًا من إمكانية التخفي أو استخدام هويات غير حقيقية عند كتابة رأي أو معارضة الدولة.
هذا النموذج يحاكي بشكل واضح تجربة “جدار الحماية العظيم” في الصين، إلا أن الحالة الإيرانية أكثر تعقيدًا إذ لا تقوم على قطع كامل ودائم للإنترنت، بل على مزيج من تقييد الوصول إلى الإنترنت العالمي في أوقات الأزمات، مع السماح به جزئيًا في الأوقات العادية. كما أن الدعم التقني الصيني لهذا المشروع يعزز من قدرته على التطور نحو نموذج رقابة متقدم قائم على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
محركات البحث المحلية وصناعة الحقيقة:
عملت إيران خلال السنوات الأخيرة على تطوير محركات بحث وطنية بديلة للمنصات العالمية، ومع تصاعد القيود على الإنترنت أصبحت هذه المحركات أداة مركزية في تشكيل المعرفة داخل المجتمع من أبرز هذه المحركات:
– جردو (Gerdoo) وهو بديل إيراني لمحرك Googleبدأ العمل به عام 2021م
– ذرهبین (Zarebin) أطلق في يناير 2022 ويعد من أبرز محركات البحث الإيرانية الحديثة
في الظروف الطبيعية تعمل هذه المحركات ضمن منظومة رقابية لكن في ظل الحجب الكامل للإنترنت العالمي تتحول إلى المصدر شبه الوحيد للبحث والمعرفة. وهنا تظهر آليات الهندسة المعرفية بوضوح فعند البحث عن كلمات مثل “حرب” أو “وقف إطلاق النار” في محرك البحث “جردو”، لا تظهر أي نتائج، وهو ما يمثل حذفًا كاملًا للحدث وهذه ليست رقابة تقليدية هدفها حجب محتوى بل هي إلغاء للواقع.
أما في “ذرهبین”، فتظهر نتائج تشير إلى انتصار حاسم لإيران، وهو ما يعكس نمطًا مختلفًا من التحكم، يقوم على استبدال الواقع برواية بديلة ويتم إنتاج حقيقة موازية، وهذا التباين بين الحذف والإحلال يعكس استراتيجية مركبة ففي بعض الحالات يتم إنكار الحدث وفي حالات أخرى يتم إعادة تفسيره.
وذكرت صحيفة الجارديان البريطانية في تقرير لها نشر في 6 إبريل 2026م أن هناك سوق مواز لبيع خدمات الاتصال عبر VPN أو شرائح خاصة تسمح بتصفح الانترنت العالمي ولكنها بأسعار تتراوح بين 6 و24 دولارًا لكل جيجا بايت، أي ما يعادل 5 إلى 20 ضعف المتوسط العالمي، هذه الأرقام تعكس تحول الإنترنت من خدمة عامة إلى سلعة نادرة فالوصول إلى المعلومات لم يعد متاحًا للجميع بل أصبح مرتبطًا بالقدرة على الدفع.
خاتمة:
تكشف الحالة الإيرانية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها عن نموذج متقدم لما يمكن تسميته بالسيطرة المعرفية الشاملة حيث لا تكتفي الدولة بحجب المعلومات، بل تتحكم في الإدراك ذاته من خلال الجمع بين الحجب الكامل، وشبكة معلومات وطنية، ومحركات بحث خاضعة للرقابة، يتم من خلالها خلق بيئة معرفية مغلقة تنتج واقعًا خاصًا بها.
ونتيجة لذلك يتشكل وعي عام داخل إطار مغلق تنتج فيه الدولة نسختها الخاصة من الحقيقة، تساعدها على ضبط الداخل وإدارة التفاعل المجتمعي مع الحرب وتداعياتها.