تتصاعد حدة التوتر في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط زيادة ملحوظة في التعزيزات والحشود العسكرية، وفي الوقت ذاته، تبدو مواقف بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا وبريطانيا، وكأنها تشهد تحولات تدريجية تضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد.
ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحل الأزمة بحلول السادس من إبريل 2026م، إذ تشير قراءة المشهد إلى أن احتمالات الانزلاق نحو عمليات عسكرية واسعة باتت أكثر ترجيحا مقارنة بخيارات التفاوض والحلول الدبلوماسية، في ظل تآكل مساحات التفاهم وتزايد منطق الردع بالقوة.
أهداف أمريكا من استدعاء المارينز
أرسلت الولايات المتحدة آلاف الجنود، من بينهم عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوًا، وهي من أبرز وحدات النخبة القادرة على تنفيذ عمليات الإنزال المظلي والانتشار السريع، وذلك إلى جانب تعزيزات من القوات الجوية والمدفعية البحرية المتمركزة في المنطقة، ويُفهم من هذا الحشد العسكري أنه لا يقتصر على كونه إجراءً دفاعيًا أو احترازيًا، بل يمثل أداة ضغط مركّبة تهدف إلى فرض معادلة تفاوضية قسرية على طهران، ودفعها إلى القبول بشروط واشنطن.
في هذا السياق، يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق هدف مزدوج، فمن ناحية، انتزاع تنازلات إستراتيجية من إيران، ومن ناحية أخرى، إعادة ترميم صورة القيادة السياسية داخليًا، خصوصًا في ظل اقتراب استحقاقات انتخابية حساسة، حيث يُعاد توظيف السياسة الخارجية كأداة لتعزيز الشرعية السياسية.
وفي موازاة ذلك، يظل خيار تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق مطروحًا، بحيث يتجاوز حدود الضربات الجوية المحدودة إلى سيناريو أكثر تعقيدًا يشمل مرحلتي:
ــ الإبرار البحري.
ــ الإنزال الجوي.
ويستهدف هذا السيناريو تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
أولا: تأمين مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة فيه.
ثانيا: السيطرة على جزيرة خرج بوصفها مركزًا حيويًا لصادرات النفط الإيراني.
ثالثا: الوصول إلى مخزونات اليورانيوم المخصب أو تحييدها.
غير أن هذا السيناريو، رغم ما قد يحمله من مكاسب رمزية، ينطوي على كلفة عسكرية وبشرية مرتفعة، ما يجعله خيارًا محفوفًا بالمخاطر، حتى وإن كان من شأن تحقيق أي من هذه الأهداف أن يوفر للإدارة الأمريكية مادة دعائية لتسويق “نصر سياسي” في الداخل.
أهداف أمريكية صعبة المنال
عند قراءة الخريطة الجغرافية لإيران وسواحلها المطلة على مضيق هرمز والخليج، يتضح أن أي عملية محتملة ستركّز على نقاط إستراتيجية بعينها، وفي مقدمتها جزيرتا خرج وقشم، نظرًا لما تمثلانه من أهمية اقتصادية وعسكرية.
جزيرة خرج
تُعد جزيرة خرج إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الإيراني، إذ تمثل المنفذ الرئيسي لتصدير ما يقارب 90% من النفط الإيراني، وتقع الجزيرة على بُعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل الإيراني، وبالرغم من بعدها النسبي عن مضيق هرمز، فإن أهميتها تكمن في كونها عقدة مركزية في منظومة الطاقة الإيرانية.
ورغم أن السيطرة عليها تبدو، من الناحية العسكرية، مهمة شديدة التعقيد تقترب من حد الاستحالة في ظل التحصينات الإيرانية، فإن نجاح مثل هذه العملية ــ إن تحقق ــ قد يوجّه ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني عبر تعطيل صادراته النفطية، كما أن موقعها قد يتيح، نظريًا، توجيه ضربات أكثر دقة إلى العمق الدفاعي الإيراني.
جزيرة قشم
تقع جزيرة قشم على مسافة تتراوح بين 20 و22 كيلومترًا من الساحل الإيراني قرب بندر عباس، وتتميّز بموقعها الإستراتيجي عند مدخل مضيق هرمز، ما يمنحها أهمية استثنائية بوصفها نقطة تحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وتمثل الجزيرة، من الناحية العسكرية، موقعًا مثاليًا ــ نظريًا ــ لعمليات الإبرار أو الإنزال، إلا أن طبيعتها الجغرافية الصخرية وتضاريسها المعقدة، إلى جانب بنيتها العسكرية المتطورة التي تشمل زوارق سريعة ومنظومات صاروخية مخبأة في منشآت تحت الأرض، تجعل من أي محاولة للسيطرة عليها عملية شديدة الخطورة.
ولهذا، يمكن وصف سيناريو احتلال هذه الجزر بأنه “الصعب الممتنع”، نظرًا لما قد يترتب عليه من خسائر جسيمة، خاصة في صفوف قوات النخبة.
موقف الجانب الإيراني
لم يقف الجانب الإيراني مكتوف الأيدي إزاء هذه التهديدات، بل أعلن مرارًا استعداده لمواجهة هذا السيناريو، مؤكدًا امتلاكه خططًا متعددة للتعامل مع أي تدخل بري محتمل، وتتبنّى طهران خطابًا ردعيًا واضحًا، يصل في بعض الأحيان إلى حد الترحيب بدخول القوات المعادية، في إطار حرب نفسية تستهدف رفع كلفة القرار العسكري على الخصم.
ويرى صانع القرار الإيراني أن أي خطوة من هذا النوع تمثل محاولة أمريكية للخروج من مأزق إستراتيجي عبر تحقيق إنجاز عسكري محدود يمكن تسويقه سياسيًا، وفيما يتعلق بمضيق هرمز، طرحت مؤسسات إيرانية، من بينها البرلمان، مقترحات لفرض رسوم على السفن العابرة، في سياق إستراتيجية تقوم على مبدأ “العين بالعين”، بما يعكس توظيف الأدوات الاقتصادية في الصراع.
كما تحاول إيران إظهار جاهزيتها العسكرية عبر الاستمرار في إطلاق الصواريخ، في تناقض واضح مع الرواية الأمريكية التي تتحدث عن تدمير قدراتها الدفاعية، وفي ضوء هذا الواقع، فإن أي محاولة للسيطرة على الجزر أو فرض السيطرة على المضيق تبدو عملية عالية التكلفة، وحتى في حال تراجع القدرات الصاروخية الإيرانية، فإن احتمالية الانخراط في مواجهة برية واسعة مع قوات إيرانية كبيرة العدد تظل قائمة، وهو ما قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف غير مضمونة النتائج.
خاتمة
تقف المنطقة على حافة مرحلة شديدة الخطورة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة الداخلية والدولية، وبالرغم من أن بعض المؤشرات قد توحي بإمكانية تحقيق إيران قدرًا من الصمود أو حتى التفوق في سيناريو المواجهة البرية، فإن المسألة لا تُحسم فقط بميزان القوة العسكرية، بل أيضًا بقدرة الأطراف على إدارة الصراع سياسيًا.
ويظل السؤال الجوهري مطروحًا: هل تعجز الولايات المتحدة عن بلورة مخرج سياسي يحفظ مصالحها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة أو فرض شروط قصوى على إيران؟ من زاوية أخرى، يمكن للإدارة الأمريكية أن تعيد تعريف “النجاح” عبر الاكتفاء بإعاقة البرنامج النووي الإيراني وتقديم ذلك كإنجاز إستراتيجي، مقابل الحفاظ على استقرار الملاحة في مضيق هرمز.
في المقابل، قد يؤدي هذا المسار إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، حيث تجد إسرائيل نفسها في مواجهة ضغوط متعددة دون غطاء دولي كافٍ، بينما تعمل إيران على تحسين علاقاتها مع دول الجوار، بما قد يفضي إلى تقليص عزلتها.
أما الولايات المتحدة، فإن استمرار استنزاف الموارد في صراعات مفتوحة قد ينعكس سلبًا على موقعها في المنافسة العالمية، خاصة في ظل صعود قوى اقتصادية منافسة، ما يطرح تساؤلات أعمق حول جدوى هذا النهج على المدى البعيد.