إن العامل الأول والأكثر وضوحًا في الأزمة الأخيرة في فنزويلا يتمثل في الدور المباشر الذي لعبه دونالد ترامب في الولايات المتحدة، إذ إن أمره باختطاف مادورو، وهو رئيس جمهورية دولة مستقلة، بغض النظر عن أي تقييم لأداء حكومته داخليًا، يعتبر انتهاكًا عمليًا للقواعد الأساسية للقانون الدولي، ومبدأ السيادة الوطنية، وحظر استخدام القوة.
يمكن تحليل هذا الإجراء في سياق النمط التاريخي للتدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، وهو نمط يمكن تتبعه منذ أحداث جواتيمالا في خمسينيات القرن الماضي، وتشيلي عام 1973، وبنما عام 1989، وحالات عديدة أخرى.
وعلى الرغم من أن بعض مصادر الإعلام الغربية تقارن هذا الحدث باعتقال مانويل نورييجا رئيس جمهورية بنما في عهد رونالد ريجان، فإن التشابه من حيث المنطق السياسي يبدو أعمق مع التدخل الأمريكي في تشيلي والإطاحة بالحكومة الشرعية لسلفادور أليندي، إذ إن القضية في الحالتين لم تكن تهديدًا أمنيًا فوريًا، بل منع استمرار نموذج سياسي ـ اقتصادي يتعارض مع مصالح واشنطن.
لقد منحت إدارة ترامب، من خلال تفسير موسع وأحادي لمفاهيم مثل “مكافحة المخدرات” أو “إعادة الديمقراطية”، إلى نفسها حق التدخل العابر للحدود، أما إذا مر هذا الفعل دون ثمن يذكر أو رد فعل جاد، فقد يتحول إلى سابقة خطيرة في النظام الدولي، سابقة ترى فيها القوى الكبرى نفسها فوق القانون.
وبالرغم من أن الدور الأمريكي في هذه الأزمة حاسم، فإن التحليل الأحادي الذي يتجاهل العوامل الداخلية في فنزويلا يقدم صورة ناقصة، فالحقيقة أن أداء حكومة مادورو خلال السنوات الماضية أدى تدريجيًا إلى تآكل شرعيتها الداخلية.
إن الأزمة الاقتصادية الكبيرة والتضخم والانخفاض الحاد في مستوى المعيشة والهجرة الواسعة للمواطنين وتضييق المجال السياسي، كلها عوامل أسهمت في وجود فجوة واضحة بين الدولة وقطاع واسع من المجتمع، وقد أدى هذا الوضع إلى غياب رد فعل شعبي واسع ومنظم للدفاع عن الحكومة في وقت التدخل الخارجي.
والسؤال المحوري هنا هو هل كان بإمكان الولايات المتحدة تنفيذ مثل هذا الإجراء بسهولة لو أن حكومة مادورو بدأت في الوقت المناسب بإصلاحات اقتصادية وسياسية فعالة، وعززت آليات الحوار مع المعارضة؟ يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال هي بالنفي، فالضعف الداخلي كان دائمًا أحد أهم مرتكزات التدخلات الخارجية.
ولطالما كان الجيش الفنزويلي، خلال العقود الأخيرة، أحد الفاعلين الرئيسيين في السلطة، فمنذ عهد هوجو تشافيز ـ الذي كان هو نفسه من المؤسسة العسكرية ـ وصولًا إلى حكومة مادورو، لعب الارتباط بين الجيش والسلطة السياسية دورًا حاسمًا.
في هذا السياق، يثير صمت الجيش أو عدم تحركه إزاء اعتقال الرئيس تساؤلات جدية، ويمكن تفسير هذا السلوك بعدة أسباب، من بينها الانقسامات داخل القيادة وتآكل الولاء الأيديولوجي والضغوط الاقتصادية وربما وجود اتصالات خلف الكواليس بين بعض القادة العسكريين وجهات خارجية.
وبغض النظر عن السبب الحقيقي لعدم تحرك الجيش، فإن النتيجة واضحة: غياب رد فعل حاسم من المؤسسة العسكرية كان أحد أهم العوامل التي سهلت التدخل الأمريكي، وتظهر هذه التجربة أنه حتى في الأنظمة التي يعتبر فيها الجيش العمود الفقري للسلطة، فإن استمرار الشرعية السياسية يظل شرطًا أساسيًا للحفاظ على تماسك القوات المسلحة.
أما معارضو مادورو في فنزويلا، فقد أدوا دورًا مزدوجًا في هذه الأزمة، فجزء من المعارضة بنى إستراتيجيته منذ سنوات على استقطاب الدعم الخارجي، ولا سيما الأمريكي، ولعل هذا النهج لم يسهم في تعزيز تماسك المعارضة، بل حولها إلى فاعل تابع يفتقر إلى قاعدة جماهيرية مستقلة.
إن التهميش الأمريكي لشخصيات مثل ماريا كورينا ماتشادو، على الرغم من حصولها على جائزة نوبل للسلام، أظهر بوضوح أن المعارضة في منطق القوى الكبرى ليست سوى أداة، لا شريكًا سياسيًا.
فعندما ترى واشنطن أن شخصًا أو تيارًا ما يفتقر إلى الكفاءة أو القبول الداخلي، فإنها لا تتردد في التخلي عنه، وهذه حقيقة تحمل درسًا مهمًا لكل التيارات السياسية في الدول النامية، إذ إن الاعتماد الحصري على الدعم الخارجي لا يضمن الوصول إلى السلطة، بل قد يؤدي إلى الإقصاء الكامل من المعادلة.
ولا يمكن تجاهل دور النفط في أزمة فنزويلا، فهذا البلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، وتقدر احتياطياته المحتملة بنحو 300 مليار برميل، وبالرغم من أن فنزويلا ليست حاليًا منتجًا رئيسًا، فإن قدراتها الكامنة تمنحها أهمية جيوسياسية عالية.
يتميز النفط الفنزويلي بكونه نفطًا ثقيلًا، وهو ما يجعله مناسبًا جدًا لمصافي النفط في جنوبي الولايات المتحدة، ولا سيما في ولاية تكساس، وفي المقابل، فإن معظم إنتاج النفط الأمريكي من النوع الخفيف، الذي لا يتلاءم مع بنية بعض هذه المصافي، كما أن القرب الجغرافي لفنزويلا يعزز هذه الميزة.
من هذا المنظور، ينبغي النظر إلى أزمة فنزويلا بوصفها جزءًا من المنافسة على الطاقة، ومحاولة أمريكية للسيطرة على الموارد الإستراتيجية في نصف الكرة الغربي؛ وهي محاولة مغلفة بخطاب ديموقراطي، لكنها في جوهرها لها جذور اقتصادية، وخاصة أن الصين كانت قد وسعت تواجدها في السنوات الأخيرة داخل صناعة النفط في فنزويلا، ومع خروج هذا البلد من دائرة تداول الدولار النفطي، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام تحد حقيقي.
أما الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة فهي رد فعل المجتمع الدولي، فقد أظهرت التجربة أن الإدانات المتفرقة والبيانات السياسية لا تمثل أي ردع لسلوك القوى المحتلة، وإذا لم تتمكن قوى مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي ـ على الرغم من خلافاتها حول أوكرانيا وتايوان وحقوق الإنسان وغيرها ـ من تجاوز هذه الخلافات والاتفاق على تحرك سياسي وقانوني واقتصادي منسق في مواجهة مغامرات ترامب، فإن النظام الدولي سيزداد ضعفًا.
إن إحالة الملف إلى الهيئات القضائية الدولية، وممارسة الضغوط الدبلوماسية، وحتى التنسيق لاتخاذ إجراءات اقتصادية، تمثل الحد الأدنى من الأدوات التي يمكن أن ترفع كلفة مثل هذه السلوكيات على الولايات المتحدة، وإلا فإن مبدأ “القوة مصدر الشرعية” سيحل تدريجيًا محل القواعد القانونية.
ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن تصاعد المعارضة لسياسة ترامب داخل الولايات المتحدة نفسها قد يكون له تأثير أكبر في دفعه إلى إعادة النظر في المسار الذي انتهجه، ولا سيما مسار “إرهاب الدولة” الذي تبنته إدارته.
ـــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة في صحيفة “آرمان امروز” (بالعربية: الآمال اليوم) للكاتب حسن بهشتی پور بعنوان: “منطق بحران سازی” (بالعربية: منطق صناعة الأزمات) منشورة بتاريخ 16 دی 1404 هـ. ش. الموافق 6 يناير 2026م.
