تمثل الأحداث الكبرى في حياة الأمم فرصًا تاريخية لمن يتأمل حقائق الواقع، ولو على نحو نسبي، حيث تُظهر تلك الأحداث طبيعة الشعوب وأنماطها النفسية من منطلق ردود أفعالها على الأحداث وترتيب أولوياتها، كما يظهر ذلك من خلال الرؤى المختلفة التي تتشكل على هامش الأحداث، وما يتبين من مواقف فكرية، بصرف النظر عن مستواها الحقيقي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من منابر الإعلام والتعبير عن الرأي والمواقف المجتمعية المتباينة.
ويمكن القول إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت عن عدة عوامل جديرة بالتأمل، ولا أجزم بصوابها المطلق؛ لأنها في النهاية مجرد رأي قابل للنقاش، وهي كالتالي:
أولًا: الشعب يُعنى بالاقتصاد والأمن بصرف النظر عن المبادئ السياسية ومن هو صاحب الحق في الموقف الجاري.
ولهذا فإن الوعي الجمعي الشعبي يتجه نحو إدانة وتجريم مُحرّك المشكلة دون النظر في دوافعه، ولا سيما إذا كان من أبناء المنطقة الإسلامية أو العربية، ولهذه النقطة أسباب تحتاج إلى دراسة علم النفس، وليس العلوم السياسية، لكي تفيدنا في فهم أسباب النفور الكامن بين أبناء المنطقة الواحدة، عربية أو إسلامية، وعدم إلقاء تبعات المسؤولية الفعلية بالأساس على الغرب أو العنصر الخارجي، حتى وإن كان هو في الحقيقة من أبرز أسباب المشكلة.
ولهذا نجد وجود مواقف أوروبية تسعى إلى قول الحق في الصراع الدائر، بينما كان ينبغي أن تنتشر تلك المواقف المنصفة بين أبناء المنطقة العربية والإسلامية ذاتها.
لكن الواقع يقول إن الخوف من التأثيرات الاقتصادية والأمنية هو الأساس لدى نسبة لا يُستهان بها من أبناء المنطقة العربية، علاوة على الانتماءات والولاء للخارج، انطلاقًا من رواسب الاستعمار والتبعية والمصلحة.
ثانيًا: القومية والعروبة كانتا دومًا إملاءات فوقية استجابت لها الشعوب في لحظات تاريخية مواتية، وليستا رغبة داخلية نابعة من الشعوب ذاتها.
والمثال الأبرز لذلك ما حدث إبان عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ولننظر كيف حدث التحول في رؤية الكثير من أبناء الشعب المصري، على سبيل المثال، إبان عهد الرئيس السادات ودعواته التي انطلقت من شعار “مصر أولًا”، وكيف أصبح التركيز على الفرص الاقتصادية في عهد الانفتاح صاحب الأولوية على كل شيء.
وليس سرًا، ولا من غير اللائق، أن نقول إن هذه العقلية ما زالت تلقي بظلالها على شرائح كثيرة من أبناء الشعوب العربية حتى اليوم، وهي عقلية الإقليمية الضيقة والمصلحة الاقتصادية.
وليست المشكلة بالأساس في خسائر حدثت لدول عربية من جراء مساعدتها لدول أخرى مما حرّك دعوات الإقليمية الضيقة، فالرخاء الاقتصادي عامة له أسباب متعددة، والمشكلات الاقتصادية دومًا متواجدة بصرف النظر عن سياسات الدول تجاه جيرانها والنطاق الجغرافي الذي تتواجد فيه بصفة عامة.
ومن الواضح أن تلك العقلية انعكست على النظرة العربية للرابطة الإسلامية والموقف من إيران في هذه الحرب التي نشهدها في الوقت الحالي.
ثالثًا: التعددية وقبول الآخر مجرد قشرة اجتماعية ظاهرية لدى نسبة لا يُستهان بها في المنطقة العربية والإسلامية، وليسا عنصرًا رئيسيًا ثابتًا في الفكر الاجتماعي الثقافي العام، في ظل رؤية الشعوب لمعنى وطبيعة الحياة التي أرادها الله عز وجل ساحةً للتباين والاختلاف والتعدد، وليس التنميط والوحدة في التوجهات التي ما كانت لتصنع حياة حقيقية لها معنى.
وينعكس ذلك على حقيقة أن العنصر الفارسي في مواجهة العربي ما زال يصنع حاجزًا قويًا في العقلية العربية، فالمبدأ ثقافي معنوي اجتماعي، وليس سياسيًا فقط؛ وقد أنتج هذا الشعور انعكاسًا على السياسة ذاتها، بحيث أصبحت النظرة الفعلية هي التشكك في الآخر، ولدى بعض الدول العربية الصدارة في تلك الرؤية التي تتشكك في الدولة ذات الرابطة الإسلامية، وتسعى إلى التقرب من الأقوى سعيًا للحفاظ على الأوضاع القائمة فقط ولصالحها، دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى.
وبذلك تتجاهل تلك الدول بعض الحقائق، كما يتجاهل الكثيرون من مهاجمي إيران حقيقة ثابتة تتكرر باستمرار، وهي أن الدول الكبرى ــ وليس الرئيس الأمريكي ترامب فقط ــ تعمل وفق رؤية لا تتغير، وتقوم على الآتي:
أ- خلق الصراع في الشرق الأوسط لمنع النمو والنهضة الحقيقية في إطاره.
ب- تكريس دائم للتفاوت بين الشرق والغرب، ومنع حل المشكلات الرئيسية في الاقتصاد العالمي حتى يظل الفارق قائمًا ولصالح الدول الكبرى، حتى وإن تظاهر الجميع في المؤتمرات الدولية والدراسات بالسعي إلى إيجاد حلول لها.
ت- المصلحة هي المعبود الأول للدول الكبرى، وليست المشكلة في سلاح نووي تسعى إيران لامتلاكه أو في طريقها لامتلاكه بالفعل، وليست المعضلة من هو صاحب الحق الفعلي في فلسطين، ولا ما يُسمى بالإرهاب الإسلامي، بل إن الفكرة الأساسية هي أن كل الطرق في السياسة الدولية تؤدي إلى هدف واحد، وهو: كيف تحقق الدول الكبرى ما تريد، وما هي الدول التي تقف في طريقها، والدول التي قد تكون سُلّمًا تصعد به إلى أهدافها، وعلى أساس ذلك تتحدد السياسة.
وأخيرًا: يمكن التساؤل بحيرة، وليس بيقين، عن مدى صدق النبوءة الفكرية أو التحليل السياسي الاجتماعي للكاتب الكبير يوسف إدريس، والتي وردت ــ بالمعنى العام ــ في سياق إحدى قصصه الشهيرة “أنا سلطان قانون الوجود”، عن القوة بوصفها الحاكم الأكبر ونمطًا عامًا للحياة، وعن الشعوب التي تتفرج وتشاهد، والتي أصبح كل ما تسعى إليه هو “أكل العيش”، بحيث أصبح هو المبدأ العام الذي ينطلق منه الجميع، وكيف أن ضعف طرف يولّد الشجاعة لدى طرف آخر يكسب الموقف لصالحه.
فهل يمكن أن يأتي يوم تخرج فيه الأمة العربية والإسلامية من هذا “الجحر” الذي يُسمى “أكل العيش”، لتغيّر من قوانين الوجود، فتُصبح المبادئ إنسانية حقيقية فعلية، وليس منطق القوة وحده؟
سؤال حائر لا إجابة حاسمة له حتى الآن.