لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها إيران في الآونة الأخيرة حدثا عابرا أو رد فعل ظرفيا على قرار اقتصادي بعينه، حتى بعد أن وصل سعر صرف كل دولار أمريكي إلى نحو 150 ألف تومان إيراني، بل باتت تعبيرا مكثفا عن تراكم تاريخي طويل من الاختلالات البنيوية التي وسمت الاقتصاد الإيراني منذ نشأته الحديثة.
فخلف الشعارات المطلبية المرتبطة بالأسعار، والدعم، وتدهور العملة، والتي اندلعت هذه المرة من بازار طهران يوم الأحد 27 ديسمبر 2025م، وتستمر يوم الأربعاء 7 يناير 2026م، في يومها الثاني عشر، تقف أزمة أعمق تتصل بطبيعة النموذج الاقتصادي ذاته، وحدود قدرته على الاستجابة لتطلعات مجتمع شاب، وحضري، ومثقل بأعباء المعيشة.
ومن هنا، فإن فهم السياق الاقتصادي الراهن للاحتجاجات يقتضي العودة إلى المسار التاريخي للأزمات الاقتصادية في إيران، وكيف تشكلت وتكرست عبر الحقب المختلفة.
إطلالة على تاريخ الاقتصاد الإيراني
شهد الاقتصاد الإيراني، على امتداد تاريخه الحديث، دورات متكررة من الأزمات، بدأت منذ الحقبة القاجارية واستمرت بأشكال متعددة حتى يومنا هذا.
ففي عهد الأسرة القاجارية، اعتمد الاقتصاد أساسًا على الزراعة التقليدية والاقتصاد الريفي، حيث خضعت الأراضي الزراعية لسيطرة كبار ملاك الأرض، بينما شكّل الفلاحون محدودو الموارد الكتلة السكانية الأوسع.
واتسم النظام الضريبي آنذاك بعدم الاستقرار والافتقار إلى العدالة، مع اعتماده المباشر على جباية الفلاحين، ما جعل الاقتصاد شديد الهشاشة، لا سيما في فترات الجفاف أو الكوارث الطبيعية.
إلى جانب ذلك، لجأت الدولة القاجارية إلى القروض الأوروبية لتغطية نفقاتها، الأمر الذي أدخل إيران مبكرًا في دائرة التبعية المالية، وأضعف قدرتها على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة.
أما التجارة الخارجية، فظلت محدودة النطاق، قائمة على تصدير السجاد والتوابل وبعض المعادن، وهو نمط لم يسمح ببناء اقتصاد متنوع أو قادر على امتصاص الصدمات الخارجية، وهو ما ترك أثره طويل الأمد على بنية الاقتصاد الإيراني.
الاقتصاد الإيراني في العهد البهلوي
مع وصول الأسرة البهلوية إلى الحكم عام 1925، دخلت إيران مرحلة جديدة اتسمت بمحاولات حثيثة للتحديث الاقتصادي، قادها رضا شاه ثم محمد رضا بهلوي، وشملت هذه المرحلة إنشاء شبكات الطرق والسكك الحديدية، وتأسيس مؤسسات صناعية وتعليمية حديثة، إلى جانب تعزيز دور الدولة في توجيه التنمية.
غير أن هذا التحديث جاء في كثير من جوانبه من أعلى إلى أسفل، وارتبط بإنفاق حكومي مرتفع فاق في أحيان كثيرة قدرة الاقتصاد على التحمل، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين المدن والمناطق الريفية، وخلق اختلالات اجتماعية لم تُعالج جذريا.
كما أسهمت التحولات الدولية، ولا سيما خلال الحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1945م)، في اضطراب سلاسل التجارة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى معيشة الإيرانيين.
وعلى الرغم من تزايد أهمية النفط لاحقا، ظل الاقتصاد الإيراني يعاني من ضعف التنويع، واعتماد متزايد على مورد واحد، ما جعله عرضة للتقلبات السياسية والأسواق العالمية، فضلا عن سوء الإنفاق الذي اتسم به العهد البلوي الثاني، حيث عم الفساد وانتشر الإنفاق الباذخ على مظاهر إظهار العظمة الإيرانية التاريخية على حساب معيشة المواطن البسيط.
الاقتصاد الإيراني في العهد الثوري
جاءت الثورة الإسلامية عام 1979 لتفتح فصلا جديدا من التحولات الاقتصادية العميقة، تمثل في تأميم قطاع النفط، وبسط سيطرة الدولة على النظام المصرفي والقطاعات الاستراتيجية التي تمول موازنة الدولة.
وبالرغم من أن هذه الإجراءات ارتبطت بخطاب العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي، فقد أسهمت عمليا في تراجع كفاءة الاقتصاد، وانكماش الاستثمارات الخاصة، ولا سيما الأجنبية منها.
ثم جاءت الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988م) لتشكل صدمة كبرى للاقتصاد الإيراني، بفعل الخسائر البشرية والمادية الهائلة، وتدمير البنية التحتية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراكم الديون، وهي آثار ما زالت ظلالها ماثلة حتى اليوم.
ومنذ انتهاء الحرب عام 1988م، تعاقبت على إيران حكومات متعددة، رفعت شعارات متفاوتة بين إعادة الإعمار، والإصلاح الاقتصادي، والانفتاح المحدود، والاقتصاد المقاوم، غير أن القاسم المشترك بينها جميعا كان العجز عن إحداث تحول هيكلي حقيقي في طبيعة الاقتصاد، إذ استمرت معدلات التضخم المرتفعة، وتفاقمت البطالة، وتدهورت قيمة العملة الوطنية، بينما بقيت شرائح واسعة من المجتمع خارج ثمار أي نمو محدود تحقق.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الاحتجاجات الإيرانية الراهنة عن هذا الإرث الاقتصادي الثقيل، فالأزمة لم تعد مجرد نتاج للعقوبات الدولية، رغم دورها الواضح في تعميق الاختلالات، بل أصبحت تعبيرا عن فقدان الثقة في قدرة السياسات الاقتصادية القائمة على تحسين شروط الحياة.
ومع تآكل القوة الشرائية، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، تحول الاقتصاد إلى أحد أهم محركات السخط الاجتماعي، ووقودا للاحتجاجات التي تتخذ أشكالا متكررة ومتزايدة الحدة، وهي للغرابة ترفع اليوم شعارات تنادي بعودة الأسرة البهلوية التي تعد سببا جوهريا في الأزمات الاقتصادية الراهنة.
خاتمة
تظهر التجربة الإيرانية أن الأزمات الاقتصادية المتكررة ليست استثناء طارئا، بل جزء من مسار تاريخي طويل من الاختلالات البنيوية، التي لم تنجح محاولات الإصلاح المتعاقبة في معالجتها جذريا، ومع تصاعد الاحتجاجات الراهنة من بازار طهران إلى الجامعات إلى النقابات العمالية في أغلب المحافظات الإيرانية، يبدو أن الاقتصاد الإيراني بلغ مرحلة باتت فيها الحلول الجزئية أو الخطابية غير كافية لاحتواء الغضب الاجتماعي، فإما أن تنخرط الدولة في إصلاحات عميقة تمس بنية الاقتصاد وآليات توزيعه، أو أن تستمر الدائرة المغلقة من الأزمات والاحتجاجات، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية واجتماعية تتجاوز البعد الاقتصادي ذاته.