كانت احتجاجات يناير 2026 في إيران بمثابة عود ثقاب أُلقي في مستودع بارود، شرارة بدأت باستياء من ارتفاع سعر الدولار وغلاء المعيشة، لكنها سرعان ما تحولت إلى لغة للتعبير عن قضايا أعمق وأكثر جوهرية.
فمن قلب مطالب اتسمت في بدايتها بطابع اقتصادي، انطلقت شعارات “كاسرة للبنية” استهدفت مباشرة مجمل النظام السياسي وشخص المرشد، وطالبت بتغييرات جذرية.
عادة ما تولد الشعارات من صميم الحياة، ومن الغضب والخوف والإذلال والأمل، فهي تُخلق لتفسير أوضاع المحتجين ومطالبهم، وتختصر آلامًا ومشكلات عميقة يصرخ بها الفرد أو المجتمع.
لكن ليست كل الشعارات قادرة على الانتشار، فما يحوّل شعارًا ما من همهمة متفرقة إلى صرخة جماعية مقبولة، هو بساطة اللغة، وقابليته للتكرار، وإمكانية التعاطف والتماثل معه، والأهم من ذلك كله انسجامه مع المزاج السياسي والنفسي السائد في المجتمع.
الشعار يشبه اللباس الذي يرتديه المحتجون، يصبح هويتهم وبطاقتهم التعريفية، وخلال السنوات الماضية، تغيّر هذا اللباس في كل مرة نزل فيها الناس إلى الشارع، اهترأ وتمزق ليُستبدل بآخر جديد، أحيانًا عادت شعارات قديمة من أعماق التاريخ لتتصدر المشهد، وأحيانًا أخرى وُلدت كلمات جديدة لم يكن لها مكان سابق في قاموس السياسة الإيرانية.
هذا التبدل المستمر ليس مجرد تغيير في الألفاظ، بل هو علامة على تغيّر المطالب وتحوّل الآفاق السياسية، فهذه الكلمات القصيرة، التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى، حين تتراص إلى جانب بعضها، تشبه طوبًا يُستخدم لبناء نظام سياسي جديد، نظام تبرز فيه بعض الأصوات، وتُقصى أخرى، ويُقسَّم فيه الأفراد والجماعات إلى “نحن” و”هم”، وفي النهاية يفتح المجال أمام قوى وأشخاص لاعتلاء سدة السلطة والتحكم في القرار.
انطلاقًا من الشعارات التي تُسمع اليوم من أفواه المحتجين، من “الموت لخامنئي” إلى “يحيا الشاه”، و”بهلوي سيعود”، و”لا نريد شاهًا ولا قائدًا”، يبرز سؤال جوهري: من أين تأتي هذه الشعارات؟ كيف تُصنع؟ ماذا تكشف عن حاضر إيران ومستقبلها؟ هل هي مجرد انعكاس للغضب والسخط، أم تتجاوز ذلك لتكون نبوءة أو صورة مسبقة للمستقبل؟ هل يمكن من خلالها استشراف مسار إيران بعد الجمهورية الإسلامية؟ أم أن الشعارات ليست سوى حديث نفس ورغبات فردية لا تجد ترجمة ملموسة في الساحة العامة، وأننا نشهد حاليًا صراع شعارات وروايات لا أكثر؟
نشرت صحيفة “كيهان” يوم 26 يناير 1979م، تحت عنوان “الشعب نظّف مدينة الحرب” تقريرًا ذكرت فيه أن الناس اشتروا علب الطلاء من أموالهم الخاصة، ونظفوا الجدران، وأبقوا على بعض الشعارات في كل حي وشارع من أجل “تسجيلها في التاريخ”.
ثورة 1979.. شعارات صنعت نظام الحكم القادم
بعد نحو شهر واحد من انتصار الثورة، وفي 25 مارس 1979، قامت بلدية طهران، بمساعدة متطوعين، بـ”تنظيف” المدينة، وغسل الناس الشوارع والجدران بالماء، ليشعروا ــ بحسب صحيفة “إطلاعات” ــ بأن المدينة أصبحت ملكهم.
وكتبت صحيفة “كيهان” في 26 يناير 1979م، تقريرًا بعنوان “الشعب نظّف مدينة الحرب”، جاء فيه أن الناس اشتروا الطلاء بأموالهم الخاصة، ونظفوا الجدران، واحتفظوا ببعض الشعارات في كل حي لتُسجَّل في التاريخ.
وأشار التقرير إلى ميدان 24 إسفند (ميدان الثورة حاليًا) وشارع “آيزنهاور” (شارع آزادي حاليًا)، حيث كانت آليات البلدية ترش الطلاء، بينما وقف الناس يشاهدون اختفاء شعارات الثورة عن الجدران.
تُظهر دراسة شعارات تلك الحقبة أن شعارات ثورة 1979م، لعبت دورًا محوريًا في التعبئة العامة، فشعارات مثل “الاستقلال، الحرية، الجمهورية الإسلامية”، و”الله أكبر”، و”الموت للشاه”، و”خميني قائد”، لم تكتفِ بنفي النظام السابق، بل قدمت تصورًا واضحًا للنظام المنشود.
في هذا السياق، قدّم محمد مختاري، الكاتب والباحث الاجتماعي الذي قُتل عام 1998م، على يد عناصر من وزارة الاستخبارات، تحليلًا دقيقًا لدور الشعارات في مقال بحثي بعنوان “دراسة شعارات مرحلة الانتفاضة”. واعتبر مختاري الشعارات ليس مجرد أداة احتجاج، بل مفتاحًا لفهم بنية الثورة نفسها.
وكتب في مجلة “كتاب جمعه” في يناير 1980: “تعكس الشعارات جوانب متعددة من الثقافة والأيديولوجيا والروح المعنوية ومستوى الوعي أو العفوية لدى الناس، ومن خلالها يمكن الكشف عن الأوضاع الموضوعية والذهنية للمجتمع”.
يرى مختاري أن الشعارات تتيح فهم أسباب وصول المجتمع إلى ضرورة الثورة، وتكشف المطالب المشتركة للناس، ودور القوى المختلفة في كل مرحلة، وكيف ولماذا تشكّلت القيادة.
وبعد دراسة 1800 شعار موزون وغير موزون، صنّفها إلى شعارات إستراتيجية وتكتيكية ودعائية، وخلص إلى أن الناس في كثير من الأحيان كانوا يتقدمون على القادة في صياغة الشعارات، بل ويفرضونها عليهم، قائلًا: “عوض الناس تقصير القيادات، وحددوا شعارات كل مرحلة، بل وقدموها للقيادة وفرضوها عليها”.
ويرى بعض الباحثين أن شعارات ثورة 1979م، حملت هوية “ذكورية” و”قدسية”، وعلى الرغم من الحضور الواسع للنساء في الاحتجاجات، فإن دورهن في الشعارات كان هامشيًا، وغالبًا ما قُدّمن في صورة “الأم” أو “المرأة المقدسة”.
مسار الشعارات في الاحتجاجات
يُظهر النظر إلى شعارات احتجاجات سكن جامعة طهران عام 1999م، أن الشعارات خلال العقود الثلاثة الماضية تحولت من كرة ثلج صغيرة إلى انهيار جليدي يستهدف اليوم أسس النظام.
في يوليو 1999 خرج الطلاب احتجاجًا على إغلاق صحيفة “سلام”، بشعارات تركزت على الحريات المدنية وحرية الإعلام، مثل: “الطالب يموت ولا يقبل الذل” و”حرية الفكر لا تتحقق باللحية والشارب” و”الموت للاستبداد”، وكانت المطالب آنذاك ما تزال ضمن إطار إصلاح النظام وتطبيق الدستور.
وبعد عشر سنوات، في 2009، دخلت الاحتجاجات مرحلة جديدة مع الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، وكان شعار “أين صوتي؟” محوريًا، إلى جانب “يا حسين.. مير حسين”، ومع تصاعد القمع، أصبحت الشعارات أكثر راديكالية، مثل “الموت للديكتاتور”.
في الأيام الأولى لاحتجاجات عام 2009م، التي تمحورت حول الانتخابات الرئاسية والاتهامات بتزويرها، كانت الشعارات إصلاحية بالكامل وتدافع عن الآليات الرسمية للنظام، لكن مع اتساع رقعة القمع تحولت الشعارات إلى مواقف أكثر راديكالية.
في يناير 2018م، مثّلت الاحتجاجات نقطة تحول لغوية مهمة، إذ بدأت بمطالب اقتصادية في مدن صغيرة، ثم سرعان ما تحولت إلى شعارات سياسية صريحة مثل: “عدونا هنا، يقولون أمريكا كذبًا”، و”إصلاحي، أصولي، انتهت الحكاية”، وفي تلك الفترة سُمع لأول مرة شعار “رضا شاه طابت روحه”.
في نوفمبر 2019، ومع ارتفاع أسعار الوقود، اشتعلت الاحتجاجات، واشتد القمع، وانعكس ذلك في شعارات مباشرة استهدفت المرشد علي خامنئي، مثل “الموت لخامنئي” و”الجمهورية الإسلامية لا نريدها”.
حركة “المرأة، الحياة، الحرية”
في احتجاجات 2022، ومع مقتل مهسا أميني، برز شعار “المرأة، الحياة، الحرية” بوصفه جوهر الحركة، وانتشر عالميًا، وأشارت دراسات إلى أن هذه الحركة واجهت مباشرة الهوية الذكورية لثورة 1979، ووضعت النساء في مركز الخطاب الاحتجاجي.
شعارات 2026.. أي مستقبل ترسمه؟
تُظهر شعارات 2026 عبورًا صريحًا من الجمهورية الإسلامية، لكنها لا تقدم حتى الآن تصورًا موحدًا وواضحًا للمستقبل السياسي لإيران.
فبين من يطالب بإسقاط النظام، ومن يحن إلى عهد ما قبل 1979م، ومن يرفض الاثنين معًا، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، يغلب عليها الغموض وعدم اليقين.
الخلاصة
تدل الشعارات المرفوعة في احتجاجات 2026م، على تآكل عميق في شرعية النظام، وعلى أن مطلب التغيير بات سياسيًا وبنيويًا، لكن صورة “ما بعد الجمهورية الإسلامية” ما تزال محل صراع وتنافس بين روايات متعددة.
ــــــــــــــــــ
تحليل بعنوان “اعتراضات ایران، شعارها چگونه آینده ایران را رقم میزنند؟” (بالعربية: احتجاجات إيران، كيف تُشكّل الشعارات مستقبل البلاد؟) بقلم: مسعود آذر منشور في بي بي سي فارسي ٢٧ دى ١٤٠٤ هـ. ش. الموافق ١٧ يناير ٢٠٢٦م.
