أظهرت الأمة الإيرانية إرادتها القومية لإدارة البلاد في كافة المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقومية منذ بدأ نظام الجمهورية الإسلامية وبالتزامن مع قطع المصالح الأمريكية في إيران.
وقد بذلت الولايات المتحدة جهودًا مكثفة ومشددة لإسقاط هذا النظام، بداية من الضغط العسكري والتهديدات المباشرة، وحتى الهجوم العسكري من جانب قوات دلتا الأمريكية الأعلى جاهزية عسكرية في العالم، غير الموفق على صحراء طبس، والذي انتهى بخسارة فاضحة لأمريكا.
وقد اتخذ ذلك الضغط أشكال أخرى فيما بعد، من بينها دعم حرب الثمان سنوات بشكل مباشر وغير مباشر لنظام صدام حسين، واستمرت تلك الجهود ووصلت إلى ذروتها في شهر يونيو لعام 2025م، عندما تحالفت أمريكا مع الكيان الصهيوني لشن هجوم على إيران، والذي من خلاله سيتمكن الأعداء من الوصول إلى أهدافهم.
وفضلًا عن الضغط العسكري، استُخدمت القيود والإجراءات العقابية الاقتصادية غير المسبوقة كأداة رئيسية أخرى من قبل العدو، وقد صرحت القيادات الأمريكية أن التاريخ سيشهد عقوبات اقتصادية ضد إيران، وهي أشد من سابقتها من العقوبات، والهدف من هذه الضغوط كان إخضاع الشعب والنظام وإجبار إيران على الاستسلام، وهو هدف لم يتحقق فحسب، بل هو غير قابل للتحقق من الأساس.
كما اتبع الأعداء إستراتيجية أخرى إلى جانب هذه الأساليب، تتمثل في الهجوم الفكري والثقافي والنفسي ضد الأمة الإيرانية وهو ما يعرف اليوم باسم الحرب الناعمة، وتلك العمليات المعقدة ممولة بداية من الثورة وحتى الآن، وقد تم رصد استثمارات ضخمة من أجل ذلك، كما عملت التقارير المعارضة والأفراد والتيارات المرتبطة بهم بحفر عدة محاور أساسية في ذهن المجتمع الإيراني.
تمثل المحور الأول في خلق فكرة اليأس وفقدان الأمل، والتي تتمثل في أن الشعب الإيراني غير قادر على مواجهة أمريكا وليس لديه خيار آخر سوى الاستسلام، وفيما عدا ذلك لن يكون هناك أي مستقبل في انتظاره.
أما المحور الثاني فيتناول تضليل الفكر العام بين العدو والحليف، بحيث يعرف العدو كحليف، بينما يتخذ الحليف موضع العدو. وتتم هذه العملية من خلال تبييض صورة الأعداء والخونة والتابعين والهاربين من البلاد، وفي المقابل، تشويه وجوه المخلصين وحماة الاستقلال والكرامة الوطنية؛ وهو إجراء يُعد من أخطر أبعاد الحرب الناعمة.
ويتمثل المحور الأخير لذلك الهجوم الناعم في تبديل الأفكار التوحيدية والإسلامية والثورية بالأفكار الإلحادية وغير الدينية والمعارضة للدين، ذلك أن أمريكا وأعوانها يعلمون جيدًا أن ما أبقى الشعب الإيراني صامدًا أمام الغطرسة، ومتفائلاً بالمستقبل طوال العقود الأربعة الماضية، هو هذه المعتقدات الإسلامية والثورية وثقافة التضحية والشهادة، بناء عليه كان هدف الأعداء تبديل تلك المنظومة الفكرية بالأفكار الدنيوية والفردية وغير الدينية بهدف سلب قوة الصمود وبصيرة التمييز من المجتمع الإيراني.
وفي المجمل تمثل الهدف الأساسي للحرب الناعمة في تحقيق ما لم تتمكن الحرب العسكرية والضغط الاقتصادي من تحقيقه، وفي مواجهة مثل هذه الإستراتيجية، تبرز ضرورة الدفاع الجاد، والذكي، والمستمر.
ومثلما تجتمع القوات المسلحة والشعب بعزيمة في ساحة القتال لموجهة الهجوم العسكري، يجب عليه الصمود بنفس تلك الشجاعة، والعزيمة التي لا تعرف الكلل في مواجهة هذه الحرب الناعمة.
إن هذا الدفاع يتطلب، قبل كل شيء، تنويرًا مستمرًا للرأي العام، من خلال قول الحقائق بلغة منطقية، ومُسندة، وواضحة، والحيلولة دون وقوع المجتمع في فخ الخداع أمام العمليات النفسية للعدو.
وبالتأكيد فإن ذلك الوعي الفكري مهم للغاية عند خوض حوار مع شخص لا يقع في دائرة العدو ويحتمل ألا يكون معارضًا أو يحمل نقدا لبعض المسائل.
وفي الإطار نفسه فإن احتجاج بعض أصحاب المحلات والتجار والحرفيين على التقلبات الشديدة في أسعار العملات الأجنبية، هو احتجاج مُحق ومفهوم، وهو في بهدف اصلاح الوضع الاقتصادي وثبات السوق وتقدم البلاد وليس لتجهيز الساحة لهجوم العدو، وهو ما أكد عليه قائد الثورة بأن تستمع الحكومة لتلك المطالب، وأن تسعى ورئيس الجمهورية بالتعاون مع الهيئات المعنية لإصلاح السياسات وتحقيق الثبات الاقتصادي للسوق.
وفي مقابل هذا هناك حركات الهدف منها هو خلق زعزعة الأمن ونشر أعمال الشغب والفوضى، وهي تحت نطاق استغلال عواطف الناس من خلال العملاء الأجانب والسعي إلى إضعاف البلاد، هؤلاء الأشخاص الذين يسعون في سبيل تحقيق أطماع الأعداء ومن البديهي، وكما صرح قائد الثورة، أنه لا يمكن التفاوض أو الحوار معهم، ويجب التعامل معهم بحزم، وهو السلوك الذي يُتبع في جميع دول العالم ضد العناصر المثيرة للشغب.
شيء آخر قابل للتأمل حول أمريكا وهو استنادًا إلى الإحصائيات الرسمية فإنه يتم اعتقال الكثير من المواطنين سنويًا، في حين أن هؤلاء الأشخاص لم يقوموا بأي أعمال شغب أو إثارة فوضى. ولعل اغتيال جورج فلويد نموذج على هذا الواقع المرير.
على آية حال فإن القيادات الأمريكية بدلًا من أن تجيب عن تلك الجرائم فهي توجه اتهاماتها إلى الدول الأخرى استنادًا إلى حجج واهية.
وفي الختام فإن الشعب الإيراني مدرك بأن أشخاص مثل دونالد ترامب يدعمون المجرمين مثل بنيامين نتنياهو، وأنه يسعى فقط لمصالحه غير القانونية ولم يحب الأمة الإيرانية قط، وأن نظام الجمهورية الإسلامية سيتمكن من التغلب على تلك المشكلات وحفظ كرامة واستقلال البلاد بذلك الوعي الشعبي.
ــــــــــــــــ
مقال مترجم عن موقع صحيفة جام جم الإلكترونية “جام جم” الحكومية التابعة لاتحاد الإذاعة والتلفزيون الإيراني، بعنوان: “جنگ نرم؛ میدان اصلی تقابل ” (بالعربية: الحرب الناعمة ساحة المواجهة الحقيقة) للمحلل السياسي مسعود رضايي.
