تُعدّ قاعدة “المعلومات عصب التحليل” من أهم القواعد المنهجية التي أرساها علم السياسة الحديث، وهي في جوهرها امتداد لتقاليد معرفية راسخة في التاريخ الفكري العربي والإسلامي، حيث لم يكن الحدث يُقرأ إلا في ضوء معطيات دقيقة وسياقه الزمني الواضح.
اقرأ أيضا:
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة التحليلية للتطورات التي شهدتها إيران خلال الأسابيع الأخيرة، بعيدًا عن الانطباعات السريعة أو السرديات الدعائية المتناقضة، وبالاستناد إلى ما توفر من معلومات ميدانية مباشرة بعد عودة شبه كلية تدريجية للإنترنت داخل البلاد.
السياق الزمني للأحداث
بين الأحد 28 ديسمبر 2025، والخميس 15 يناير 2026، شهدت إيران واحدة من أعنف موجات التوتر السياسي والمجتمعي في تاريخها المعاصر، وقد تزامن ذلك مع انقطاع شبه كامل للإنترنت، ما صعّب عملية التحقق من الوقائع على الأرض.
غير أن عودة الإنترنت بشكل شبه كلي تدريجي يوم الأحد 18 يناير 2026، إلى بعض القطاعات، أتاح استعادة قنوات تواصل مع مصادر ميدانية داخل إيران، وأسهم في رسم صورة أوضح لما جرى خلال تلك الفترة.
اقرأ أيضا:
ومن المهم في هذا الصدد التأكيد على أن الإصرار على ذكر التواريخ بالأيام والشهور والسنوات ليس ترفًا لغويًا أو استعراضًا معرفيًا، بل هو التزام بمنهج التأريخ الدقيق الذي يتيح لاحقًا فهم تسلسل الأحداث وتحليلها ضمن سياقها الصحيح، بعيدًا عن الخلط أو التعميم.
الشارع الإيراني بين الاحتجاج والاحتقان
تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الشارع الإيراني، على مستوى الفعل الاحتجاجي المباشر، عاد إلى حالة قريبة مما كان عليه قبل 28 ديسمبر 2025م، بمعنى أن المظاهرات والاحتجاجات الواسعة قد توقفت فعليًا، مع وجود طفيف لتريد شعارات سياسية ومطلبية وإن لم تكن في الشوارع فهي تردد من نوافذ المنازل وفق ما أفادني به مصدر ميداني عصر الأحد 18 يناير 2026م.
إلا أن ذلك لا يعني زوال أسباب الغضب أو انتهاء حالة الاحتقان المجتمعي، التي ما تزال قائمة نتيجة التدهور الاقتصادي الحاد، وارتفاع معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية، وهي عوامل ارتبطت بشكل مباشر بالعقوبات الأمريكية والأوروبية المشددة على إيران.
اقرأ أيضا:
ولقد شكّلت هذه العقوبات أداة ضغط إستراتيجية على صانع القرار الإيراني، في محاولة لانتزاع مكاسب سياسية وأمنية تتجاوز بكثير المطالب المعلنة المتعلقة بحقوق الإنسان أو الحريات العامة.
العنف والفاعلون غير الواضحين
تفيد شهادات ميدانية متطابقة بأن موجة العنف التي شهدتها بعض شوارع طهران ومدن أخرى لم تكن جميعها من فعل المتظاهرين السلميين، فقد برزت مجموعات ملثّمة، لا تنتمي إلى السياق الاحتجاجي المدني، تورطت في أعمال حرق للممتلكات العامة والخاصة.
المجموعات الملثمة أحرقت الممتلكات العامة بما في ذلك سيارات ومبانٍ ومساجد، فضلًا عن تورطها في عمليات قتل طالت متظاهرين سلميين ورجالًا من قوى الأمن الداخلي باستخدام أسلحة خفيفة ومن مسافات قريبة جدًا.
اقرأ أيضا:
ووفقا لما أعلنته إيران رسميا يوم الأحد 18 يناير 2026م، حول وجود نحو 5 آلاف قتيل على الأقل فإن ذلك النمط من العنف يستدعي دفع قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني إلى إعادة تقييم مسار الاحتجاج، والخشية من انزلاق البلاد نحو سيناريوهات فوضوية مشابهة لما شهدته دول أخرى في الإقليم مثل سوريا أو اليمن أو غيرهما.
مظاهرات التأييد ودلالاتها الاجتماعية
في صباح الإثنين 12 يناير 2026، شاركت فئات من المجتمع الإيراني، لا سيما من التيار الليبرالي وغير المؤدلج، في مظاهرات دعت إليها السلطة، وتكمن أهمية هذه المشاركة في أنها لم تصدر عن انتماء أيديولوجي للنظام أو تبنٍ لسياساته، بل عن قناعة بضرورة الحفاظ على استقرار الدولة وتجنب الانزلاق إلى سيناريوهات تفكك أو حرب أهلية.
تشير هذه المشاركة إلى أن جزءًا معتبرًا من المجتمع الإيراني بات يرى الصراع القائم من زاوية “الدولة مقابل الفوضى”، لا من زاوية “النظام مقابل المعارضة”، وهو تحول بالغ الدلالة في فهم سلوك الشارع الإيراني.
كما أفاد لي مصدر ميداني بأن هناك إجماعا في الشارع الإيراني على رفض طرح اسم رضا بهلوي بديلا للنظام الإيراني الحاكم، وذلك لأنه لا يتمتع بالشعبية ولا القابلية المجتمعية لأمة يربو عدد سكانها إلى نحو 90 مليون نسمة.
العامل الأمريكي وحدود الخطاب السياسي
يرى من تم التواصل معهم داخل إيران أن الخطاب الأمريكي، ولا سيما الصادر عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لا يعكس انشغالًا حقيقيًا بمصالح المجتمع الإيراني، بقدر ما يعبر عن سعي لتحقيق أهداف إستراتيجية أمريكية.
ويعزز هذا التقدير تراجع واشنطن عن خيار عسكري كان مطروحًا نظريًا، عقب تسوية ما جرت خلف الكواليس، دون إعلان تفاصيلها للرأي العام العالمي أو الإيراني، حتى بعد أن قال الرئيس ترامب للصحف الأمريكية مساء السبت 17 يناير 2026م، إنه يرى بضرورة تغيير رأس النظام الإيراني المتمثل في المرشد الأعلى علي خامنئي.
اقرأ أيضا:
وفي الوقت ذاته، ما تزال حالة الترقب الحذر تسيطر على شوارع طهران، مع انتشار أمني مكثف حول المؤسسات السيادية، وعلى رأسها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني (بالفارسية: صِدا وسيما)، تحسبًا لأي تطورات مفاجئة.
الشروط الأمريكية ومغزاها الإستراتيجي
وفق المعطيات المتداولة، تتمحور الشروط الأمريكية حول خمس نقاط رئيسية:
- التفاوض المباشر بين ترامب والمرشد الأعلى علي خامنئي.
- تجميد البرنامج النووي الإيراني ووقف تخصيب اليورانيوم كليًا.
- التفاوض بشأن البرنامج الصاروخي الباليستي والطائرات المسيّرة.
- التخلي عن المواد النووية المخصبة ونقلها إلى دولة وسيطة.
- إنهاء دعم إيران للجماعات المسلحة غير الحكومية في الإقليم.
ومن اللافت أن هذه الشروط تخلو تمامًا من أي إشارات إلى قضايا حقوق الإنسان أو دعم الحريات أو معالجة أسباب الاحتجاجات الشعبية، ما يعزز القناعة داخل المجتمع الإيراني بأن الهدف الأمريكي يتمثل في تفكيك ركائز القوة الإيرانية الداخلية والخارجية، لا في دعم مطالب اجتماعية أو سياسية مشروعة.
وفي المقابل قال المرشد الإيراني علي خامنئي في كلمة له يوم الأحد 18 يناير 2026م، إن بلاده أخمدت ما وصفها بـ”الفتنة”، لكن هذا غير كافٍ، وعلى أمريكا أن تتحمّل المسؤولية، وفق قوله.
خاتمة
في المجمل تكشف التطورات الأخيرة في إيران عن مشهد بالغ التعقيد، يتداخل فيه الاجتماعي بالاقتصادي، والداخلي بالإقليمي والدولي، فبين شارع هدأت حركته ولم يهدأ غضبه، ونظام يواجه ضغوطًا غير مسبوقة، وقوى خارجية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة في البلاد، يظل المجتمع الإيراني فاعلًا أساسيًا، وليس مجرد ساحة للصراع، كما أن فهم ما جرى ــ وما قد يجري ــ يظل مرهونًا بالالتزام بالمنهج، والتمييز بين الوقائع والسرديات، وبين ما يريده الإيرانيون لأنفسهم، وما يُراد لهم من خارج حدودهم، ثم يبقى السؤال الأهم: هل زال الخطر عن إيران أم أن الخطر ما يزال قائما؟! الإجاية التي تحتاج إلى شرح مفصل مقبل: نعم الخطر ما يزال ماثلا في الأفق.