كشفت التطورات الأخيرة في المشهد الإيراني إثر احتجاجات البازار عن تداخل معقد بين الأزمة الاقتصادية، والاحتجاجات الاجتماعية، وخطاب الدولة الرسمي في التعامل مع الاضطرابات، فقد أعادت التحركات الاحتجاجية التي قادها تجار وأصحاب محال في طهران ومدن أخرى تسليط الضوء على عمق الاختلالات البنيوية في سوق العملات، وعلى محدودية الأدوات التقليدية في إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وفي هذا السياق، تتقاطع التصريحات الرسمية، والتغطيات الإعلامية، والتحليلات الأكاديمية، لتقدم صورة متعددة المستويات عن طبيعة الأزمة، وحدود الاستجابة السياسية والأمنية لها.
تحليل خطاب الدولة تجاه الأزمة
في أعقاب هذه الاضطرابات، صرّح علي أكبر بورجمشیدیان، معاون الأمن الداخلي ونائب وزير الداخلية الإيراني، في مقابلة مع وكالة “إيسنا”، بجملة من التوصيات للمواطنين، متطرقًا إلى أوضاع سوق العملات والانتقادات المرتبطة بتقلبات الأسعار.
وقال إن “جميع الأجهزة المسؤولة، بما في ذلك الحكومة، تعمل بجد لحل المشكلات والتقلبات التي شهدها السوق”. وأضاف أن “جزءًا كبيرًا من المشكلات والتقلبات في سوق العملات يتأثر بالحالة النفسية السائدة”، مؤكدًا في الوقت نفسه أن “العدو يسعى إلى استغلال هذا الوضع بشكل كبير”، وداعيًا المواطنين إلى توخي الحذر وعدم التأثر بما وصفها بتوجيهات الأطراف المعادية، مشيرًا إلى أن المسؤولين والحكومة والبرلمان يبذلون أقصى جهودهم للسيطرة على هذه التقلبات.
وعلى خلاف أحداث مماثلة شهدتها البلاد في سنوات سابقة، بثّت وسائل الإعلام الرسمية تقريرًا قصيرًا ضمن نشرتها الإخبارية عند الظهيرة، عكس جانبًا من مطالب المحتجين، في خطوة عكست محاولة محسوبة لإظهار قدر من الاستيعاب الإعلامي، دون الخروج عن الإطار الرسمي للخطاب.
تغطية ميدانية وانتشار الاحتجاجات
في السياق ذاته، غطّت وكالة فارس، شبه الرسمية التابعة للحرس الثوري، هذه الاحتجاجات، مشيرة إلى أن تجمعًا احتجاجيًا لعدد من التجار وأصحاب المحال في طهران بدأ من شارع لالهزار، قبل أن يتحرك باتجاه وسط المدينة.
وأضافت الوكالة أنه خلال بعض المراحل رُفعت شعارات جانبية، ومورست ضغوط على أصحاب المحال لإغلاقها، ما استدعى تدخل قوات الأمن لفتح الطرق.
ووفقًا للمشاهدات الميدانية، تجمع عدد من التجار في شارع لالهزار احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع الأسعار وصعوبات تأمين السلع.
وبدأ التجمع قرابة الساعة الثانية عشرة ظهرًا، حيث دعا المحتجون زملاءهم إلى إغلاق محالهم والانضمام إلى التجمع، فاستجاب بعضهم، في حين رفض آخرون، الأمر الذي أدى إلى مشادات لفظية محدودة.
تناولت وكالة “إيسنا” الاحتجاجات، موضحة أنها بدأت نحو الساعة 11:30 صباح يوم الأحد 28 ديسمبر 2025م، واستمرت لعدة ساعات، وخلال هذه الفترة، أقدم بعض أصحاب المحال على وقف نشاطهم عبر خفض الستائر على امتداد شارع الجمهورية.
وأمام مبنى علاء الدين رقم 2، عند زاوية شارع شيخ هادي، وقف عدد من التجار وقد أغلقوا محالهم، في حين واصلت بعض المحال داخل المجمع، لا سيما تلك العاملة في صيانة الهواتف، نشاطها المعتاد.
وبسبب هذه التجمعات المتفرقة، شهدت المنطقة المحيطة بتقاطع شارع حافظ والطرق المؤدية إليه ازدحامًا مروريًا ملحوظًا. وأظهرت المعاينات الميدانية أن الاحتجاجات تركزت أمام مجمعي چارسو وعلاءالدين، حيث رفع بعض المتظاهرين شعارات تعكس مطالبهم النقابية، بينما حاولت مجموعة محدودة إضفاء طابع سياسي على الشعارات. ووفقًا للتجار، يعود السبب الرئيسي للاحتجاجات إلى التقلبات الحادة في سوق العملات، التي أدت إلى صعوبات في التسعير والتداول وتأمين البضائع. كما أشاروا إلى أن سوق الهواتف يعاني منذ فترة من ركود شديد، فضلًا عن مشكلات تتعلق بتسجيل الطلبات واستيراد السلع.
السردية الأمنية والإعلام الموازي
في سياق متصل، نشرت وكالة تسنيم، شبه الرسمية التابعة للحرس الثوري، تقريرًا بعنوان: “الوكالات الأمنية الأجنبية ووسائل الإعلام المعادية لإيران في انتظار حق الاحتجاج”، حذّرت فيه من محاولات بعض الأطراف الأجنبية استغلال هذه التحركات.
وأكدت الوكالة أنه “على الرغم من مشروعية هذه الشكاوى في حد ذاتها، وضرورة تدخل المسؤولين الحكوميين بجدية ومسؤولية أكبر لمعالجة حالة الفوضى القائمة، فإن وسائل الإعلام المعادية لإيران وبعض الأجهزة الأمنية الأجنبية، عبر عناصر داخلية، تترقب هذه التجمعات أو تحضر بعضها، في محاولة لاستغلال أي فرصة لتحويل الاحتجاجات إلى اضطرابات أمنية”.
وأضافت تسنيم أن “وسائل الإعلام والحسابات المرتبطة بالمنافقين ونظام الاحتلال الإسرائيلي نشرت خلال الساعات الماضية دعوات واسعة للتظاهر وإحداث اضطراب”، مشيرة إلى أن هذه الدعوات فشلت حتى الآن “بوعي المواطنين”، مع التأكيد في الوقت ذاته على توقع المجتمع التجاري لاتخاذ إجراءات تنفيذية عاجلة لمعالجة الأزمة.
من جانبها، أبرزت وكالة إيرنا أثر هذه الاحتجاجات والقلق الذي أحدثته بين العاملين في سوق الهواتف المحمولة، معتبرة أن رسالة هذه التجمعات، رغم محدوديتها، تعكس مخاوف حقيقية لدى التجار من مستقبل أعمالهم في ظل التقلبات المستمرة في أسعار العملات، ومحاولات الحكومة إعادة ضبط السياسات النقدية ومنع توزيع الريع وتعزيز الشفافية.
قراءة سوسيولوجية لتحول المعادلة
في قراءة تحليلية أعمق، كتب محمد جواد غلام رضا كاشي، الباحث الإيراني في علم الاجتماع والعلوم السياسية، أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية جرى تجاهلها منذ الأيام الأولى لتأسيس النظام، مع اعتماد مفرط على المخزون الديني والثقافي للشعب، وإقصاء القوى المعارضة على مدى عقود.
وأوضح أن هذه المعادلة، التي منحت الأقلية المتدينة قوة سياسية تفوق الأغلبية المتضررة اقتصاديًا، بدأت تفقد فعاليتها بفعل التضخم غير المعقول، وانخفاض قيمة العملة، واستمرار الفساد والعجز.
وأشار كاشي إلى أن ما يطرحه الناس اليوم تحت عنوان الشكوى من التضخم وانهيار العملة ليس مجرد مطلب اقتصادي، بل مطلب يتعلق بإمكانية الحياة نفسها، مؤكدًا أن تهديد شروط العيش يدفع القيم المادية إلى صدارة الأولويات، حتى على حساب القيم الدينية، عندما تصبح الحياة ذاتها في موضع الخطر.
التدخل الرئاسي وحدود الاستجابة
دفعت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتصاعدة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى التدخل، مطالبًا وزير الداخلية بالاستماع السريع إلى “المطالب المشروعة” للمتظاهرين، وعقد اجتماع طارئ مع رؤساء النقابات والغرف التجارية.
كما أُعلن عن اتفاقيات حكومية ـ برلمانية لدعم الفاعلين الاقتصاديين، في وقت قدّم فيه محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين استقالته، مع استمرار تراجع الريال إلى مستويات غير مسبوقة.
رغم هذه الإجراءات، لم تنجح الخطوات الرسمية في تهدئة الشارع أو احتواء الإضرابات، التي امتدت من طهران إلى مدن عدة، وأدت إلى إغلاق واسع للمحال والأسواق، وإعلان إغلاق عام ليوم واحد في محافظة طهران.
وقد فاقم تعطّل حركة البيع والشراء وارتفاع أسعار السلع حالة الفوضى الاقتصادية، وكشف عن ارتباك رسمي في إدارة الأزمة.
خاتمة
تعكس احتجاجات البازار الأخيرة في إيران أزمة مركّبة تتجاوز حدود سوق العملات إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود الخطاب الأمني في معالجة الاختلالات الاقتصادية.
فبينما تسعى الدولة إلى احتواء الغضب عبر التهدئة النفسية والتحذير من التدخلات الخارجية، تشير الوقائع الميدانية والتحليلات السوسيولوجية إلى تحول أعمق في أولويات المجتمع، حيث باتت مسألة البقاء الاقتصادي شرطًا سابقًا على أي اعتبارات أيديولوجية.
وفي ظل هذا التحول، تبدو الحاجة ملحّة إلى معالجة بنيوية وجذرية للأزمة، تتجاوز الحلول الظرفية، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، قبل أن تتحول الاحتجاجات المطلبية إلى أزمة استقرار طويلة الأمد.