في فهمي الشخصي للسلوك السياسي لإيران المعاصرة، أعتمدُ كثيرا على المنهج التاريخي لتحليل الأحداث واستقراء ما بين سطورها من تداعيات على المستقبل القريب، حتى لو عدت إلى التاريخ البعيد لفهم الحاضر والتنبؤ بما هو آتٍ.
وفي الأيام الأخيرة ألقيت محاضرة لطلاب وباحثي الدراسات العليا في أحد أقسام الدراسات الإيرانية بجامعة مصرية عريقة، وقد لجأت إلى المنهج التاريخي لتفسير ما يطفو على سطح الأحداث من مسائل جسام، من بينها قضايا البرنامج النووي والحرب والسلم بين إيران وأمريكا وأوروبا وإسرائيل.
اقرأ أيضا:
فقد ضربت مثلا على الحضارة العسكرية الفارسية وقوة إيران التاريخية في مجال الحرب بالصحابي الجليل سلمان الفارسي الذي تنسب له المشورة العسكرية الإستراتيجية إبان غزوة الأحزاب التي تعرف أيضا بغزوة الخندق نسبة إلى الفكرة التي نصح بها والتي أدت في النهاية إلى النصر العسكري للمسلمين على الأحزاب والتحالفات “العربية واليهودية” في العام الخامس من الهجرة.
وكنت قد قرأت قبل سنوات طوال لبعض الكتاب الإيرانيين روايات لم أتمكن من التأكد من صحتها ــ بل هي بعيدة عن الصحة على الأرجح ــ حول أن الصحابي سلمان الفارسي هو أيضا من أشار على الرسول بفكرة تمركز جيش المسلمين في غزوة بدر أمام الأبيار حتى يمنع جيش المشركين من التزود بالماء، على خلاف الحقيقة التاريخية الثابتة والتي تفيد بأن الصحابي الجليل الحباب بن المنذر هو صاحب تلك المشورة العسكرية التكتيكية على الرسول، والتي أدت كذلك إلى النصر العسكري للمسلمين.
غير أن هذا الاستشهاد من جانبي والنقاش الماتع مع طالبات هذا القسم العريق، جعلني أعيد التفكير مرة أخرى ــ بعد عشرات المرات السابقة ــ في الفكر العسكري الإستراتيجي عند سلمان الفارسي وعند قومه المعاصرين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة أن العقوبات الأوروبية دخلت مراحل التنفيذ في إطار آلية الزناد “سناب باك” ومن المحتمل بشدة أن تستخدم إسرائيل تلك الخاصية كرافعة قانونية ومبرر أمام المجتمع الدولي لإعادة حملتها العسكرية العدوانية على إيران تماما كما فعلت في تمام الساعة الثالثة فجر الجمعة 13 يونيو 2025م، أي بعد نحو 12 ساعة فقط من استصدار الترويكا الأوروبية بيانا يدين سلوك إيران النووي، في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عصر يوم الخميس 12 يونيو 2025م.
الفارق الفكري بين الحباب العربي وسلمان الفارسي
عندما نزل المسلمون في بدر، بادر الحباب بن المنذر بسؤال النبي ﷺ عن طبيعة اختياره للموقع، فلما علم أنه اجتهاد بشري؛ اقترح تغيير الموقع للسيطرة على منابع الماء الأقرب للمشركين وتغوير الآبار الأخرى وصنع حوض خاص بالمسلمين، وقد استجاب النبي ﷺ لهذا الرأي، فكان ذلك قرارا تكتيكيا حاسما ساهم في ترجيح كفة المسلمين.
ففي غزوة بدر (2 هـ)، كان الجيش الإسلامي قد نزل على أدنى ماء من بدر، فاقترب الحباب بن المنذر من النبي ﷺ سائلا: “أهذا منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟!” فلما علم أنه اجتهاد بشري من محمد النبي وليس من النبي محمد، قال: “ليس هذا بمنزل”، مقترحا التقدم للسيطرة على أقرب آبار للمشركين، وردم ما سواها، وبناء حوض خاص للمسلمين.
اقرأ أيضا:
والحق أن مشورة الحباب بن المنذر كانت تجسيدا لعبقرية العربي وحكمته التكتيكية في فهم تأثير الجغرافيا على طبيعة الحروب، لاسيما منابع الماء التي تعد محور البقاء وسر الغلبة والقوة والمنعة والحصانة في البيئات الصحراوية التي يضاهي فيها الماء الذهب، بل يفوق المعادن النفيسة مكانة وأهمية، وقد استجاب النبي ﷺ فورا، فكان قرارا تكتيكيا ضيق الخناق على المشركين، وأثبت أن القيادة النبوية تتجلى في الإنصات إلى الرأي السديد مهما كان مصدره.
ولقد مرت ثلاثة أعوام، وفي غزوة الأحزاب (5 هـ)، اجتمعت قريش وغطفان واليهود على هدف مركزي واحد، وهو استئصال الإسلام من جذوره، والقيام بحملة عسكرية مكبرة تستهدف القضاء على محمد وأتباعه مرة أخيرة وإلى الأبد، وبالفعل حاصروا المدينة وهنا تقدم سلمان الفارسي بفكرته قائلا: “يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حُوصِرنا خندقنا علينا”، وفي هذا الزمن لم يكن العرب على دراية بهذا الأسلوب العسكري، لكن الحضارة الفارسية راكمت خبرة طويلة في مواجهة الحصار خاصة أن سلمان ينتسب إلى مدينة أصفهان التي شهدت الحروب الضواري على امتداد التاريخ، والتي ستصبح بعد ذلك عاصمة للإمبراطورية الفارسية في عام 1598م، على عهد الشاه الصفوي عباس الأول، والتي ستظل رمزا للأمة الفارسية العريقة حتى نقل الشاه آغا محمد خان القاجاري، العاصمة إلى طهران عام 1796م.
الملاحظ هنا أن محمدا النبي ﷺ تلقى الاقتراح بإعجاب بل بانبهار إذا صح القول، وفطن إلى أن تلك المشورة العسكرية الإستراتيجية ستقع في نفوس تحالف الغزاة من الأحزاب “العرب واليهود” وقع المفاجأة بحيث ترقى إلى حد الصدمة.
وعلى الفور أمر النبي بحفر الخندق شمال المدينة، فصار هذا الابتكار الدفاعي غير المسبوق في البيئة العربية سببا مباشرا في فشل التحالف المعادي “العربي واليهودي”، وبذلك تحولت مشورة سلمان إلى رمز للاندماج الحضاري بين الفكرين العربي والفارسي، إذ استوعب الإسلام خبرة حضارة فارس في فنون الإستراتيجيات العسكرية العملياتية، وجعلها جزءًا من أدوات الأمة وعلامة كاملة على عالمية الإسلام واتساع رؤيته الإستراتيجية التي تقدر خبرات الأمم والشعوب غير العربية.
غير أن الفارق هنا بين المشورتين أن الأولى تكتيكية والثانية إستراتيجية.
حول التكتيك العربي والإستراتيجية الفارسية
من المهم في هذا الصدد توضيح المفارقة بين المشورتين الخاصتين بغزوة بدر، وغزوة الأحزاب؛ إذ إنهما من الممكن أن يساعدا على توضيح الفارق الراهن بين الفكر العسكري عند العرب ونظيره عند الفرس، خاصة أن دولة إيران الفارسية الراهنة، هي الوحيدة تقريبا في العالم الإسلامي التي لجأت إلى التصنيع العسكري الموازي لمدارس التصنيع الكبرى في الشرق والغرب، وهي الوحيدة التي تملك منظومات صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وبرنامج نووي يقول المجتمع الدولي إن له أبعادا عسكرية.
في تعريف الفارق بين الإستراتيجية والتكتيك يبرز أهم منظران في تاريخ الفكر العالمي حول هذا الأمر وهما: الصيني صن تزو، صاحب كتاب (فن الحرب The Art of War)، والألماني كارل فون كلاوزفيتز، صاحب كتاب (عن الحرب On War)، وكلاهما اتفقا على أن الإستراتيجية (Strategy) هي فن توجيه الحرب أو السياسة لتحقيق الغايات، أو هي الخطة الكبرى طويلة المدى، التي تحدد الهدف النهائي وكيفية تحقيقه باستخدام الموارد المتاحة، تماما كما فعل سلمان في واقعة الخندق، غير أن التكتيك (Tactics)هو التفكير والأسلوب العملي قصير المدى الذي يستخدم لتنفيذ جزء من الإستراتيجية في موقف محدد، بمعنى أنه فن استخدام القوات في المعركة.
اقرأ أيضا:
وإذا عدنا إلى الحباب بن المنذر وسلمان الفارسي فقد قدّم الأول “العربي” رؤية تكتيكية ميدانية صادرة عن وعي أبناء الصحراء بالماء وأهميته كأحد عوامل النصر، بينما قدّم الثاني “الفارسي” رؤية إستراتيجية متكاملة استندت إلى تراكم حضاري ومعرفة عسكرية متقدمة، غيرت موازين القوى بين المسلمين المحاصرين في المدينة وبين الأحزاب “العربية واليهودية” التي اتخذت تموضع الهجوم، وبالتالي قلبت خطته العسكرية المشهد رأسا على عقب ليس في هذه الحرب فحسب، بل في مجمل التاريخ الذي سيأتي بعدها، خاصة أن الإمبراطوريات الفارسية المتعاقبة امتازت بالفكر العسكري التخليقي والابتكاري بدليل تفوقهم على أعظم الحضارات في ذلك الوقت.
مثل ماذا؟!
مثل: نصرهم على الروم الذي تحدث عنه القرآن الكريم في سورة حملت اسم “الروم”.
ومع ذلك فإن الجامع بينهما أن الإسلام لم يلغ أحدهما لصالح الآخر، بل جمعهما في نسق واحد، واستفاد من العربي التكتيكي ومن الفارسي الإستراتيجي مؤكدا أن الحكمة ضآلة المؤمن، وأن الشورى هي آلية استيعاب كل الطاقات وأن محمدا جاء برسالة عالمية تصهر الجميع تحت راية الحق والتوحيد.
ومن اللطائف أن بشرى فتح فارس لم تأت للرسول محمد إلا في أثناء اشتراكه في حفر الخندق، كما تواترت الروايات التاريخية وأجمع المؤرخون على ذلك.
عالمية الإسلام من الجزيرة العربية إلى أصفهان
يمكن القول إن قصة إسلام سلمان الفارسي وصهيب الرومي وغيرهما من الترك والاحباش والفارس والروم، واندماج غير العرب، في المشروع الحضاري للإسلام، من الأمور الجوهرية لفهم طبيعة الإسلام نفسه، وهي باختصار طبيعة ذات بعد عالمي أو كما يسميه المفكرون المحدثون “العولمة”، فقد أدرك مفكرو الغرب أن الإسلام يحمل مشروعا فكريا جامعا لا إقصائي، كما هو الحال في المشاريع الغربية الراهنة التي تنبذ الآخر وتريد احتكار الفكر والتقويم والتوجيه.
ويذهب فيلسوف فرنسا الكبير جوستاف لوبون في تحفته الفكرية “حضارة العرب” إلى أن التاريخ لم يعرف فاتحين أرحم من العرب، ولا دينا أكثر تسامحا من الإسلام الذي فتح صدره للأمم كافة، ولعل المفكر الجزائري الأشهر مالك بن نبي تأثر كذلك بهذا الرأي وفطن في كتابه “شروط النهضة” إلى أن الإسلام ليس حضارة بديلة للحضارات، بل هو بوتقة تنصهر فيها عناصر الأمم لتنتج حضارة إنسانية أشمل.
اقرأ أيضا:
على هذا النحو يبين نموذج سلمان الفارسي أن فارس لم تُهزم حين دخلت في الإسلام، بل ارتقت إذ وجدت نفسها جزءا من مشروع أوسع، وأن سلمان لم يترك دين آبائه من أجل مغامرات غير محسوبة؛ بل من أجل أنه رزق الهداية إلى الدين الذي لا يمحو القوميات، بل يمنحها أفقا أوسع لغاية أكثر نبلا من التقوقع داخل النعرات الطائفية والعرقية، تماما كما قال فيلسوف باكستان الأكبر محمد إقبال في كتابه الماتع “إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام”.
وهو ما يعني أن الأمة الفارسية ساهمت في بناء مؤسسات الدولة الإسلامية منذ وقت مبكر؛ فجاءت بنظام الدواوين، وتنظيم الجند، ومؤلفات العلماء والفقهاء، وأثبتوا بدءا من الخندق وانتهاء بمراحل التاريخ المعاصر، أن الحضارة الإسلامية لم تكن نتاج العرب وحدهم، بل ثمرة تفاعل عالمي صاغته الرسالة المحمدية لتحقيق الهدف الأول من خلق الخليقة أصلا، وهو العبادة والتوحيد.
من الأحزاب والخندق إلى أوروبا و”سناب باك”
منذ اللحظة الأولى التي واجه فيها المسلمون امتحان البقاء في غزوة الأحزاب، برزت قيمة المشورة العسكرية في تحديد مصير الأمة، ففي الأحزاب تجلت عبقرية سلمان الفارسي الإستراتيجية حين ابتكر أسلوبا دفاعيا لم تعرفه العرب من قبل، وفي الواقع لم تكُ تلك المشورة مجرد مسألة عسكرية عابرة، بل تعد تحوّلا إلى نماذج تأسيسية لفهم طبيعة القرار في الإسلام، وكيف يتفاعل مع المعطيات الميدانية والخيارات الحضارية في آنٍ واحد.
واليوم حين تواجه إيران حصارا اقتصاديا خانقا وآلية “سناب باك” التي تسعى أوروبا لإحيائها، يجد من درس تاريخ الأمة الفارسية نفسه إزاء استمرارية تاريخية للفعل الإستراتيجي نفسه، وإن كان على أنماط ووتائر مغايرة، فإيران وريثة الحضارة الفارسية القديمة والفاعل مركزي في العالم الإسلامي، لم تكتفِ بردود فعل تكتيكية آنية، بل سعت إلى بناء منظومة دفاعية وردعية شاملة من صواريخ ومسيرات ومفاعلات.
فقد طورت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وابتكرت طرقا جديدا للدفاع المتقدم وهو تكوين ما “كان” يعرف بـ”محور المقاومة”، وكأن درس سلمان في الخندق لا يزال حاضرا، حيث الفكرة الإستراتيجية المبتكرة هي التي تصنع الفارق أمام تفوق الخصم في العدد والعتاد، غير أن الواقع يثبت نجاح فكرة سلمان واستمراريتها مقابل تراجع فكرة المحور وتزعزعها.
إذا كان من درس يعلمنا إياه التاريخ فإن مواجهة إيران المعاصرة مع الغرب (أمريكا وأوروبا) ووكيلته إسرائيل، تؤكد أن الفعل الإستراتيجي ليس حدثا طارئا بل مسار ممتد عبر العصور، ففي كل مرحلة تاريخية يظهر من يستوعب الواقع ويحول عناصر الضعف إلى مصادر قوة وفق المتاح من الإمكانيات والظروف.
وإذا كان الخندق قد علمنا أن الإستراتيجية تصنع المستقبل، فإن آلية “سناب باك” اليوم تعلمنا أن الأمم الحية لا تُستدرج إلى ميادين يحددها الآخرون، بل تبتكر أدواتها الخاصة وتعيد تعريف قواعد اللعبة، وهذا هو جوهر الاستمرارية في الإسلام، إذ إن التاريخ ليس مجرد ذاكرة؛ بل طاقة حضارية متجددة لمواجهة التحديات على اختلاف الظروف والعهود.
ومن المهم التذكير بأن آلية “سناب باك” Snapback Mechanism (بالفارسية: ميكانيسم ماشه)، هي مصطلح في القانون الدولي الحديث ارتبط في الأذهان بالاتفاق النووي الإيراني أو خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA (بالفارسية: برجام) وبقرارات مجلس الأمن، وخاصة القرار 2231 لعام 2015 الذي بموجبه تم التصديق الدولي على الاتفاق النووي.
اقرأ أيضا:
وتعني “سناب باك” إعادة فرض العقوبات تلقائيًا على دولة ما إذا خالفت التزاماتها، من دون الحاجة إلى تصويت جديد من مجلس الأمن، أي إن العقوبات “تعود إلى مكانها” بشكل سريع من هنا جاء اسم snapback أي الارتداد والعودة سريعا إلى مرحلة حزم العقوبات الصارمة التي كانت مفروضة على إيران قبل توصلها إلى التسوية الشاملة مع المجتمع الدولي بموجب الاتفاق النووي.
خاتمة
بعد ما تقدم أعلاه، يمكن القول إن التفكير في سلمان الفارسي مهم لفهم قومه وحروبهم الراهنة مع أمريكا وأوروبا وإسرائيل، وإن مشورة هذا الصحابي تمثل شهادة تاريخية متجددة ــ إذا لزم الأمر ــ على قدرة الإسلام على دمج الخبرات الحضارية في إطار مشروع واحد، فقد التقت عبقرية الصحراء مع خبرة فارس، وصنعا معا لحظة مفصلية في مسيرة الأمة جعلتها تسود الإمبراطوريات الكبرى في عصور صدر الإسلام، كما أن استعادة هذا الدرس في واقعنا المعاصر، حيث تتعدد الروافد الثقافية والمعرفية للأمة الإسلامية ــ وحيث يريد الغرب التفريق بين مكونات الأمة من عرب وفرس وترك وأفارقة وغيرهم ــ أمر بالغ الأهمية لبناء نهضة جديدة على أسس عالمية هي في الأصل أسس الإسلام عند أوضح مراميه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(تنويه مهم: الصورة المرفقة مع المقالة تم تصميمها بواسطة الذكاء الاصطناعي وتدمج بين الصحابي الجليل سلمان الفارسي والخندق والمواجهة الراهنة بين إيران وأوروبا وأمريكا وإسرائيل)